الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
180
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بغرق الكفرة وتمليك المؤمنين ، وسنحكم بينهم يوم القيامة . ومعنى جِئْنا بِكُمْ أحضرناكم لدينا . والتقدير : جئنا بكم إلينا . [ 105 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 105 ] وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ عود إلى التنويه بشأن القرآن فهو متصل بقوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [ الإسراء : 89 ] . فلما عطف عليه وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [ الإسراء : 90 ] الآيات إلى هنا وسمحت مناسبة ذكر تكذيب فرعون موسى - عليه السلام - عاد الكلام إلى التنويه بالقرآن لتلك المناسبة . وقد وصف القرآن بصفتين عظيمتين كل واحدة منهما تحتوي على ثناء عظيم وتنبيه للتدبر فيهما . وقد ذكر فعل النزول مرتين ، وذكر له في كل مرة متعلق متماثل اللفظ لكنه مختلف المعنى ، فعلق إنزال اللّه إياه بأنه بالحق فكان معنى الحق الثابت الذي لا ريب فيه ولا كذب ، فهو كقوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] وهو رد لتكذيب المشركين أن يكون القرآن وحيا من عند اللّه . وعلق نزول القرآن ، أي بلوغه للناس بأنه بالحق فكان معنى الحق الثاني مقابل الباطل ، أي مشتملا على الحق الذي به قوام صلاح الناس وفوزهم في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] ، وقوله : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء : 105 ] . وضمائر الغيبة عائدة إلى القرآن المعروف من المقام . والباء في الموضعين للمصاحبة لأنه مشتمل على الحق والهدي ، والمصاحبة تشبه الظرفية . ولولا اختلاف معنى الباءين في الآية لكان قوله : وَبِالْحَقِّ نَزَلَ مجرد تأكيد لقوله : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ لأنه إذا أنزل بالحق نزل به ولا ينبغي المصير إليه ما لم يتعين . وتقديم المجرور في الموضعين على عامله للقصر ردا على المنكرين الذين ادعوا أنه أساطير الأولين أو سحر مبين أو نحو ذلك .