الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ( إذا ) ظرف متعلق ب آتَيْنا . والضمير المنصوب في جاءَهُمْ عائد إلى بني إسرائيل . وأصل الكلام : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني إسرائيل ، فاسألهم . وكان فرعون تعلق ظنه بحقيقة ما أظهر من الآيات فرجح عنده أنها سحر ، أو تعلق ظنه بحقيقة حال موسى فرجح عنده أنه أصابه سحر ، لأن الظن دون اليقين ، قال تعالى : إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] . وقد يستعمل الظن بمعنى العلم اليقين . ومعنى قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : أن فرعون لم يبق في نفسه شك في أن تلك الآيات لا تكون إلا بتسخير اللّه إذ لا يقدر عليها غير اللّه ، وأنه إنما قال : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً عنادا ومكابرة وكبرياء . وأكد كلام موسى بلام القسم وحرف التحقيق تحقيقا لحصول علم فرعون بذلك . وإنما أيقن موسى بأن فرعون قد علم بذلك : إما بوحي من اللّه أعلمه به ، وإما برأي مصيب ، لأن حصول العلم عند قيام البرهان الضروري حصول عقلي طبيعي لا يتخلف عن عقل سليم . وقرأ الكسائي وحده لَقَدْ عَلِمْتَ - بضم التاء - ، أي أن تلك الآيات ليست بسحر كما زعمت كناية على أنه واثق من نفسه السلامة من السحر . والإشارة ب هؤُلاءِ إلى الآيات التسع جيء لها باسم إشارة العاقل ، وهو استعمال مشهور . ومنه قوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] ، وقول جرير : ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام والأكثر أن يشار ب ( أولاء ) إلى العاقل . والبصائر : الحجج المفيدة للبصيرة ، أي العلم ، فكأنها نفس البصيرة . وقد تقدم عند قوله تعالى : هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ في آخر سورة الأعراف [ 203 ] . وعبر عن اللّه بطريق إضافة وصف الرب للسماوات والأرض تذكيرا بأن الذي خلق السماوات والأرض هو القادر على أن يخلق مثل هذه الخوارق . والمثبور : الذي أصابه الثبور وهو الهلاك . وهذا نذارة وتهديد لفرعون بقرب هلاكه .