الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
175
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 100 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 100 ] قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ( 100 ) اعتراض ناشئ عن بعض مقترحاتهم التي توهموا عدم حصولها دليلا على انتفاء إرسال بشير ، فالكلام استئناف لتكملة رد شبهاتهم . وهذا رد لما تضمنه قولهم : حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله : تَفْجِيراً [ الإسراء : 90 - 91 ] ، وقولهم : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [ الإسراء : 93 ] من تعذر حصول ذلك لعظيم قيمته . ومعنى الرد : أن هذا ليس بعظيم في جانب خزائن رحمة اللّه لو شاء أن يظهره لكم . وأدمج في هذا الرد بيان ما فيهم من البخل عن الإنفاق في سبيل الخير . وأدمج في ذلك أيضا تذكيرهم بأن اللّه أعطاهم من خزائن رحمته فكفروا نعمته وشكروا الأصنام التي لا نعمة لها . ويصلح لأن يكون هذا خطابا للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم كل على قدر نصيبه . وشأن ( لو ) أن يليها الفعل ماضيا في الأكثر أو مضارعا في اعتبارات ، فهي مختصة بالدخول على الأفعال ، فإذا أوقعوا الاسم بعدها في الكلام وأخروا الفعل عنه فإنما يفعلون ذلك لقصد بليغ : إما لقصد التقوي والتأكيد للإشعار بأن ذكر الفعل بعد الأداة ثم ذكر فاعله ثم ذكر الفعل مرة ثانية تأكيد وتقوية ؛ مثل قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [ التوبة : 6 ] وإما للانتقال من التقوي إلى الاختصاص ، بناء على أنه ما قدم الفاعل من مكانه إلا لمقصد طريق غير مطروق . وهذا الاعتبار هو الذي يتعين التخريج عليه في هذه الآية ونحوها من الكلام البليغ ، ومنه قول عمر لأبي عبيدة « لو غيرك قالها » . والمعنى : لو أنتم اختصصتم بملك خزائن رحمة اللّه دون اللّه لما أنفقتم على الفقراء شيئا . وذلك أشد في التقريع وفي الامتنان بتخييل أن إنعام غيره كالعدم . وكلا الاعتبارين لا يناكد اختصاص ( لو ) بالأفعال للاكتفاء بوقوع الفعل في حيزها غير موال إياها وموالاته إياها أمر أغلبي ، ولكن لا يجوز أن يقال : لو أنت عالم لبذذت الأقران . واختير الفعل المضارع لأن المقصود فرض أن يملكوا ذلك في المستقبل . و لَأَمْسَكْتُمْ هنا منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول ، لأن المقصود : إذن لاتصفتم