الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

168

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولما كان المشي والاطمئنان في الأرض من صفة الإنسان آل المعنى إلى : لو كنتم ملائكة لنزلنا عليكم من السماء ملكا فلما كنتم بشرا أرسلنا إليكم بشرا مثلكم . ومجيء الهدى هو دعوة الرسل إلى الهدى . [ 96 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 96 ] قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 96 ) بعد أن خص اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلّم بتلقين الحجة القاطعة للضلالة أردف ذلك بتلقينه أيضا ما لقنه الرسل السابقين من تفويض الأمر إلى اللّه وتحكيمه في أعدائه ، فأمره ب قُلْ كَفى بِاللَّهِ تسلية له وتثبيتا لنفسه وتعهدا له بالفصل بينه وبينهم كما قال نوح وهود رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ [ المؤمنون : 26 ] ، وغيرهما من الرسل قال قريبا من ذلك . وفي هذا رد لمجموع مقترحاتهم المتقدمة على وجه الإجمال . ومفعول كَفى محذوف ، تقديره : كفاني . والشهيد : الشاهد ، وهو المخبر بالأمر الواقع كما وقع . وأريد بالشهيد هنا الشهيد للمحق على المبطل ، فهو كناية عن النصير والحاكم لأن الشهادة سبب الحكم ، والقرينة قوله : بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لأن ظرف ( بين ) يناسب معنى الحكم . وهذا بمعنى قوله تعالى : حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ [ الأعراف : 87 ] وقوله : يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [ الممتحنة : 3 ] . والباء الداخلة على اسم الجلالة زائدة لتأكيد لصوق فعل كَفى بفاعله . وأصله : كفى اللّه شهيدا . وجملة إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً تعليل للاكتفاء به تعالى ، والخبير : العليم . وأريد به العليم بالنوايا والحقائق ، والبصير : العليم بالذوات والمشاهدات من أحوالها . ، والمقصود من اتباعه به إحاطة العلم وشموله . [ 97 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 97 ] وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ( 97 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ يجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ