الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
163
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة وبعثوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتيهم . فأسرع إليهم حرصا على هداهم ، فعاتبوه على تسفيه أحلامهم والطعن في دينهم . وعرضوا عليه ما يشاء من مال أو تسويد . وأجابهم بأنه رسول من اللّه إليهم لا يبتغي غير نصحهم ، فلما رأوا منه الثبات انتقلوا إلى طلب بعض ما حكاه اللّه عنهم في هذه الآية . وروي أن الذي سأل ما حكي بقوله تعالى : أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ إلى آخره ، هو عبد اللّه بن أبي أمية المخزومي . وحكى اللّه امتناعهم عن الإيمان بحرف ( لن ) لمفيد للتأييد لأنهم كذلك قالوه . والمراد بالأرض : أرض مكة ، فالتعريف للعهد . ووجه تخصيصها أن أرضها قليلة المياه بعيدة عن الجنات . والتفجير : مصدر فجر بالتشديد مبالغة في الفجر ، وهو الشق باتساع . ومنه سمي فجر الصباح فجرا لأن الضوء يشق الظلمة شقا طويلا عريضا ، فالتفجير أشد من مطلق الفجر وهو تشقيق شديد باعتبار اتساعه . ولذلك ناسب الينبوع هنا والنهر في قوله تعالى : وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً [ الكهف : 33 ] وقوله : فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ . وقرأه الجمهور - بضم التاء وتشديد الجيم - على أنه مضارع ( فجر ) المضاعف . وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف - بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة - على أنه مضارع فجر كنصر ، فلا التفات فيها للمبالغة لأن الينبوع يدل على المقصود أو يعبر عن مختلف أقوالهم الدالة على التصميم في الامتناع . ومعنى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ لن نصدقك أنك رسول اللّه إلينا . والإيمان : التصديق . يقال : آمنه ، أي صدقه . وكثر أن يعدى إلى المفعول باللام ، قال تعالى : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [ يوسف : 17 ] وقال : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [ العنكبوت : 26 ] . وهذه اللام من قبيل ما سماه في « مغني اللبيب » لام التبيين . وغفل عن التمثيل لها بهذه الآية ونحوها ، فإن مجرور اللام بعد فعل نُؤْمِنَ مفعول لا التباس له بالفاعل وإنما تذكر اللام لزيادة البيان والتوكيد . وقد يقال : إنها لدفع التباس مفعول فعل « آمن » بمعنى صدق بمفعول فعل ( آمن ) إذا جعله أمينا . وتقدم قوله تعالى ؛ فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ في سورة يونس : [ 83 ] . والينبوع : اسم للعين الكثيرة النبع التي لا ينضب ماؤها . وصيغة يفعول صيغة مبالغة