الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

161

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سواه من الكلام ، مدمجا في ذلك النعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بما في القرآن من كل مثل . وذكرت هنا ناحية من نواحي إعجازه ، وهي ما اشتمل عليه من أنواع الأمثال . وتقدم ذكر المثل عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما في سورة البقرة [ 26 ] . ويجوز أن يراد بالمثل الحال أي من كل حال حسن من المعاني يجدر أن يمثل به ويشبه ما يزاد بيانه في نوعه . فجملة وَلَقَدْ صَرَّفْنا معطوفة على جملة قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ مشاركة لها في حكمها المتقدم بيانه زيادة في الامتنان والتعجيز . وتأكيدها بلام القسم وحرف التحقيق لرد أفكار المشركين أنه من عند اللّه ، فمورد التأكيد هو فعل صَرَّفْنا الدال على أنه من عند اللّه . والتصريف تقدم آنفا عند قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [ الإسراء : 41 ] . وزيد في هذه الآية قيد لِلنَّاسِ دون الآية السابقة لأن هذه الآية واردة في مقام التحدي والإعجاز ، فكان الناس مقصودين به قصدا أصليا مؤمنهم وكافرهم بخلاف الآية المتقدمة فإنها في مقام توبيخ المشركين خاصة فكانوا معلومين كما تقدم . ووجه تقديم أحد المتعلقين بفعل صَرَّفْنا على الآخر : أن ذكر الناس أهم في هذا المقام لأجل كون الكلام مسوقا لتحديهم والحجة عليهم ، وإن كان ذكر القرآن أهم بالأصالة إلا أن الاعتبارات الطارئة تقدّم في الكلام البليغ على الاعتبارات الأصلية ، أن الاعتبارات الأصلية لتقررها في النفوس تصير متعارفة فتكون الاعتبارات الطارئة أعز منالا . ومن هذا باب تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر . والأظهر كون التعريف في النَّاسِ للعموم كما يقتضيه قوله : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً . وذكر في هذه الآية متعلق التصريف بقوله : مِنْ كُلِّ مَثَلٍ بخلاف الآية السابقة ، لأن ذكر ذلك أدخل في الإعجاز ، فإن كثرة أغراض الكلام أشد تعجيزا لمن يروم معارضته عن أن يأتي بمثله ، إذ قد يقدر بليغ من البلغاء على غرض من الأغراض ولا يقدر على غرض آخر ، فعجزهم عن معارضة سورة من القرآن مع كثرة أغراضه عجز بيّن من جهتين ، لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله ولو في بعض الأغراض ، كما أشار إليه قوله تعالى في سورة البقرة [ 23 ] فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فإن ( من ) للتبعيض وتنوين ( مثل ) للتعظيم