الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولم يبن هنالك مسجدا إلى أن كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر بابتداء بناء القبة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى . ووكل على بنائها رجاء بن حيوة الكندي أحد علماء الإسلام ، فابتدأ ذلك سنة ست وستين وكان الفراغ من ذلك في سنة ثلاث وسبعين . كان عمر أول من صلى فيه من المسلمين وجعل له حرمة المساجد . ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن ، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد . فالتسمية باعتبار ما كان ، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجدا بأكمل حقيقة المساجد . واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهرا . ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية . وقد رأيت أن سائحا نصرانيا اسمه ( اركولف ) زار القدس سنة 670 م ، أي بعد خلافة عمر بأربع وثلاثين سنة ، وزعم أنه رأى مسجدا بناه عمر على شكل مربع من ألواح وجذوع أشجار ضخمة وأنه يسع نحو ثلاثة آلاف . « 1 » والظاهر أن نسبة المسجد الأقصى إلى عمر بن الخطاب وهم من أوهام النصارى اختلط عليهم كشف عمر موضع المسجد فظنوه بناء . وإذا صدق اركولف فيما ذكر من أنه رأى مكانا مربعا من ألواح وعمد أشجار كان ذلك شيئا أحدثه مسلمو البلاد لصيانة ذلك المكان عن الامتهان . وقوله الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ صفة للمسجد الأقصى . وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين . والمقصود إفادة أنه مبارك حوله . وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل ، مثل عافاك اللّه . والبركة : نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه . وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى : مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ في [ آل عمران : 96 ] .

--> ( 1 ) مقال حرره عارف عارف في الجملة المسماة رسالة العلم بالمملكة الأردنية في عدد 2 من السنة 12 كانون الأول سنة 1968 .