الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

158

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المتكلمين : إنها من الجواهر المجردة ، وهو غير بعيد عن قول بعضهم : هي من الأجسام اللطيفة والأرواح حادثة عند المتكلمين من المسلمين وهو قول أرسطاليس . وقال قدماء الفلاسفة : هي قديمة . وذلك قريب من مرادهم في القول بقدم العالم . ومعنى كونها حادثة أنها مخلوقة للّه تعالى . فقيل : الأرواح مخلوقة قبل خلق الأبدان التي تنفخ فيها ، وهو الأصح الجاري على ظواهر كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهي موجودة من الأزل كوجود الملائكة والشياطين ، وقيل : تخلق عند إرادة إيجاد الحياة في البدن الذي توضع فيه واتفقوا على أن الأرواح باقية بعد فناء أجسادها وأنها تحضر يوم الحساب . [ 86 ، 87 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 86 إلى 87 ] وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) هذا متصل بقوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ [ الإسراء : 82 ] الآية أفضت إليه المناسبة فإنه لما تضمن قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] تلقين كلمة علم جامعة ، وتضمن أن الأمة أوتيت علما ومنعت علما ، وأن علم النبوءة من أعظم ما أوتيته ، أعقب ذلك بالتنبيه إلى الشكر على نعمة العلم دفعا لغرور النفس ، لأن العلم بالأشياء يكسبها إعجابا بتميزها عمن دونها فيه ، فأوقظت إلى أن الذي منح العلم قادر على سلبه ، وخوطب بذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأن علمه أعظم علم ، فإذا كان وجود علمه خاضعا لمشيئة اللّه فما الظن بعلم غيره ، تعريضا لبقية العلماء . فالكلام صريحه تحذير ، وهو كناية عن الامتنان كما دل عليه قوله بعده إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً وتعريض بتحذير أهل العلم . واللام موطئة للقسم المحذوف قبل الشرط . وجملة لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ جواب القسم . وهو دليل جواب الشرط ومغن عنه . و لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا بمعنى لنذهبنه ، أي عنك ، وهو أبلغ من ( نذهبه ) كما تقدم في قوله : الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] . وما صدق الموصول القرآن . و ( ثم ) للترتيب الرتبي ، لأن نفي الطمع في استرجاع المسلوب أشد على النفس من