الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
151
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لما كان القرآن نعمة عظيمة للناس ، وكان إعراض المشركين عنه حرمانا عظيما لهم من خيرات كثيرة ، ولم يكن من شأن أهل العقول السليمة أن يرضوا بالحرمان من الخير ، كان الإخبار عن زيادته الظالمين خسارا مستغربا من شأنه أن يثير في نفوس السامعين التساؤل عن سبب ذلك ، أعقب ذلك ببيان السبب النفساني الذي يوقع العقلاء في مهواة هذا الحرمان ، وذلك بعد الاشتغال بما هو فيه من نعمة هويها وأولع بها ، وهي نعمة تتقاصر عن أوج تلك النعم التي حرم منها لولا الهوى الذي علق بها والغرور الذي أراه إياها قصارى المطلوب ، وما هي إلا إلى زوال قريب ، كما أشار إليه قوله تعالى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [ المزمّل : 11 ] وقوله : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ [ آل عمران : 196 - 197 ] . فهذه الجملة مضمونها مقصود بذاته استفيد بيانها بوقوعها عقب التي قبلها . والتعريف في الْإِنْسانِ تعريف الجنس ، وهو يفيد الاستغراق وهو استغراق عرفي ، أي أكثر أفراد الإنسان لأن أكثر الناس يومئذ كفار وأكثر العرب مشركون . فالمعنى : إذا أنعمنا على المشركين أعرضوا وإذا مسهم الشر يئسوا . وهذا مقابل حال أهل الإيمان الذين كان القرآن شفاء لأنفسهم وشكر النعمة من شيمهم والصبر على الضر من خلقهم . والمراد بالإنعام : إعطاء النعمة . وليس المراد النعم الكاملة من الإيمان والتوفيق ، كما في قوله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] . وقوله : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ من النبيئين والصديقين [ النساء : 69 ] . والإعراض : الصد ، وضد الإقبال . وتقدم عند قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ في سورة النساء [ 63 ] ، وقوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ في سورة الأنعام [ 68 ] . والنأي : البعد ، وتقدم في قوله تعالى : وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ في سورة الأنعام [ 26 ] . والجانب : الجنب . وهو الجهة من الجسد التي فيها اليد ، وهما جانبان : يمين ويسار . والباء في قوله : بِجانِبِهِ للمصاحبة ، أي بعد مصاحبا لجانبه ، أي مبعدا جانبه . والبعد بالجانب تمثيل الإجفال من الشيء ، قال عنترة :