الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

146

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [ الإسراء : 78 ] على الإغراء فيكون فَتَهَجَّدْ تفريعا على الإغراء تفريع مفصل على مجمل ، وتكون ( من ) اسما بمعنى ( بعض ) كالتي في قوله : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ [ النساء : 46 ] وهو أيضا حسن . وضمير بِهِ للقرآن المذكور في قوله : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [ الإسراء : 78 ] وإن كان المعاد مقيدا بكونه في الفجر والمذكور هنا مرادا مطلقه ، كقولك . عندي درهم ونصفه ، أي نصف درهم لا نصف الدرهم الذي عندك . والباء للسببية . والتهجد : الصلاة في أثناء الليل ، وهو اسم مشتق من الهجود ، وهو النوم . فمادة التفعل فيه للإزالة مثل التحرج والتأثم . والنافلة : الزيادة من الأمر المحبوب . واللام في لَكَ متعلقة ب نافِلَةً وهي لام العلة ، أي نافلة لأجلك . وفي هذا دليل على أن الأمر بالتهجد خاص بالنبيء صلى اللّه عليه وسلّم فالأمر للوجوب . وبذلك انتظم في عداد الصلوات الواجبة فبعضها واجب عليه وعلى الأمة ، وبعضها واجب عليه خاصة ويعلم منه أنه مرغب فيه كما صرحت به آية سورة المزمل [ 20 ] إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ إلى قوله : ما تَيَسَّرَ مِنْهُ . وفي هذا الإيجاب عليه زيادة تشريف له ، ولهذا أعقب بوعد أن يبعثه اللّه مقاما محمودا . فجملة عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ تعليل لتخصيصه بإيجاب التهجد عليه ، والرجاء من اللّه تعالى وعد . فالمعنى : ليبعثك ربك مقاما محمودا . والمقام : محل القيام . والمراد به المكان المعدود لأمر عظيم ، لأنه من شأنه أن يقوم الناس فيه ولا يجلسوا ، وإلا فهو المجلس . وانتصب مَقاماً على الظرفية ل يَبْعَثَكَ . ووصف المقام بالمحمود وصف مجازي . والمحمود من يقوم فيه ، أي يحمد أثره فيه ، وذلك لغنائه عن أصحاب ذلك المقام ، ولذلك فسر المقام المحمود بالشفاعة العظمى . وفي « صحيح البخاري » عن ابن عمر « أن الناس يصيرون يوم القيامة جثا - بضم