الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والركون : الميل بالركن ، أي بالجانب من الجسد واستعمل في الموافقة بعلاقة القرب . وتقدم في قوله : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا في سورة هود [ 113 ] ، كما استعمل ضده في المخالفة في قوله تعالى : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ في هذه السورة الإسراء [ 83 ] . وانتصب شَيْئاً على المفعول المطلق ل تَرْكَنُ ، أي شيئا من الركون . ووجه العدول عن مصدر تَرْكَنُ طلب الخفة لأن مصدر تَرْكَنُ وهو الركون فيه ثقل فتركه أفصح ، وإنما لم يقتصر على قَلِيلًا لأن تنكير شَيْئاً مفيد التقليل ، فكان في ذكره تهيئة لتوكيد معنى التقليل ، فإن كلمة ( شيء ) لتوغلها في إبهام جنس ما تضاف إليه أو جنس الموجود مطلقا مفيدة للتقليل غالبا كقوله تعالى : فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [ النساء : 20 ] . و ( إذن ) الثانية جزاء ل كِدْتَ تَرْكَنُ ، ولكونها جزاء فصلت عن العطف إذ لا مقتضى له . فركون النبي صلى اللّه عليه وسلّم إليهم غير واقع ولا مقارب الوقوع لأن الآية قد نفته بأربعة أمور ، وهي : ( لولا ) الامتناعية . وفعل المقاربة المقتضي أنه ما كان يقع الركون ولكن يقع الاقتراب منه ، والتحقير المستفاد من شَيْئاً ، والتقليل المستفاد من قَلِيلًا . أي لولا إفهامنا إياك وجه الحق لخشي أن تقترب من ركون ضعيف قليل ولكن ذلك لم يقع . ودخلت ( قد ) في حيز الامتناع فأصبح تحقيقها معدوما ، أي لولا أن ثبتناك لتحقق قرب ميلك القليل ولكن ذلك لم يقع لأنا ثبتناك . وجملة إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ جزاء لجملة لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ . والمعنى : لو تركن إليهم لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات . ولما في ( إذن ) من معنى الجزاء استغني عن ربط الجملة بحرف التفريع . والمعنى : لقد كدت تركن فلأذقناك . والضعف - بكسر الضاد - : مماثل مقدار شيء ذي مقدار ، فهو لا يكون إلا مبينا بجنسه لفظا أو تقديرا مثل قوله تعالى : مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ النور : 30 ] ، أي ضعفي ما أعد لتلك الفاحشة . ولما كان كذلك ساغ إطلاقه دون بيان اعتمادا على بيان السياق كما هنا ، فإن ذكر الإذاقة في مقام التحذير ينبئ بأنها إذاقة عذاب موصوف بأنه ضعف . ثم إن الضعف أطلق هنا على القوي الشديد لعدم حمل الضعف على حقيقته إذ ليس ثمّ علم بمقدار العذاب يراد تضعيفه كقوله : فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ وتقدم ذلك في