الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
102
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من حجر الصوان ، فالأظهر أنه بآلة الحديد ، ومن الحديد تتخذ السلاسل للقيد ، والمقامع للضرب ، وسيأتي قوله تعالى : وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ في سورة الحج [ 21 ] . والخلق : يعنى المخلوق ، أي أو خلقا آخر مما يعظم في نفوسكم عن قبوله الحياة ويستحيل عندكم على اللّه إحياؤه مثل الفولاذ والنحاس . وقوله : مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ صفة خَلْقاً . ومعنى يَكْبُرُ يعظم وهو عظم مجازي بمعنى القوي في نوعه وصفاته ، والصدور : العقول ، أي مما تعدونه عظيما لا يتغير . وفي الكلام حذف دل عليه الكلام المردود وهو قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ الإسراء : 49 ] . والتقدير : كونوا أشياء أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات . والمعنى : لو كنتم حجارة أو حديدا لأحياكم اللّه ، لأنهم جعلوا كونهم عظاما حجة لاستحالة الإعادة ، فرد عليهم بأن الإعادة مقدرة للّه تعالى ولو كنتم حجارة أو حديدا ، لأن الحجارة والحديد أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات إذ لم يسبق فيهما حلول الحياة قط بخلاف الرفات والعظام . والتفريع في فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا على جملة قُلْ كُونُوا حِجارَةً أي قل لهم ذلك فسيقولون لك : من يعيدنا . وجعل سؤالهم هنا عن المعيد لا عن أصل الإعادة لأن البحث عن المعيد أدخل في الاستحالة من البحث عن أصل الإعادة ، فهو بمنزلة الجواب بالتسليم الجدلي بعد الجواب بالمنع فإنهم نفوا إمكان إحياء الموتى ، ثم انتقلوا إلى التسليم الجدلي لأن التسليم الجدلي أقوى ، في معارضة الدعوى ، من المنع . والاستفهام في مَنْ يُعِيدُنا تهكمي . ولما كان قولهم هذا محقق الوقوع في المستقبل أمر النبي بأن يجيبهم عندما يقولونه جواب تعيين لمن يعيدهم إبطالا للازم التهكم ، وهو الاستحالة في نظرهم بقوله : قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ إجراء لظاهر استفهامهم على أصله بحمله على خلاف مرادهم ، لأن ذلك أجدر على طريقة الأسلوب الحكيم لزيادة المحاجة ، كقوله في محاجة موسى لفرعون قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 25 - 26 ] .