الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكهان فقال : « ليسوا بشيء ( أي لا وجود لما يزعمونه ) . فقيل : يا رسول اللّه فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنّي فيقرّها في أذن وليّه قرّ الدجاجة « 1 » فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة . وما في تفسير سورة الحجر من « صحيح البخاري » من حديث سفيان عن أبي هريرة قال نبيء اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ( أي أمر أو أوحى ) وضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله « فإنهم المأمورون كل في وظيفته » كالسلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ( أي يحصل العلم لهم . وتقريبها حركات آلة تلقي الرسائل البرقية - تلغراف ) . . . فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ( أي هي طبقات متفاوتة في العلو ) . ووصف سفيان بيده فحرّفها وفرّج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض ( فيسمع المسترق الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان الكاهن أو الساحر ) ، فربّما أدرك الشّهاب المستمع قبل أن يلقيها ، وربّما ألقاها قبل أن يدركها فيكذب معها مائة كذبة . فيقولون : ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء » . أما أخبار الكهان وقصصهم فأكثرها موضوعات وتكاذيب . وأصحها حديث سواد بن قارب في قصة إسلام عمر - رضي اللّه عنه - من « صحيح البخاري » . وهذه الظواهر كلها لا تقتضي إلا إدراك المسموعات من كلام الملائكة . ولا محالة أنها مقرّبة بالمسموعات ، لأنها دلالة على عزائم النّفوس الملكية وتوجهاتها نحو مسخراتها . وعبر عنه بالسمع لأنه يؤول إلى الخبر ، فالذي يحصل لمسترق السمع شعور ما تتوجه الملائكة لتسخيره ، والذي يحصل للكاهن كذلك . والمآل أن الكاهن يخبر به فيؤول إلى مسموع . [ 19 ، 20 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 19 ) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ( 20 )

--> ( 1 ) قرّت الدجاجة تقرّ قرّا : أخفت صوتها .