الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
25
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من الاعتذار لوفود العرب في موسم الحجّ إذا سألوهم عن هذا الرجل الذي ادّعى النبوءة . وقد عرضوا عليه أن يقولوا هو كاهن ، فكان من كلام الوليد أن قال « . . ولا واللّه ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه » ، قال تعالى : وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [ سورة الحاقة : 42 ] . وكان الكهان يزعمون أن لهم شياطين تأتيهم بخبر السماء ، وهم كاذبون ويتفاوتون في الكذب . والمراد بالحفظ من الشياطين الحفظ من استقرارها وتمكنها من السماوات . والشيطان تقدم في سورة البقرة . والرجيم : المحقر ؛ لأن العرب كانوا إذا احتقروا أحدا حصبوه بالحصباء ، كقوله تعالى : قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ سورة الحجر : 34 ] ، أي ذميم محقر . والرّجام - بضم الراء - الحجارة . قيل وهي أصل الاشتقاق . ويحتمل العكس . وقد كان العرب يرجمون قبر أبي رغال الثقفي الذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكة . قال جرير : إذا مات الفرزدق فارجموه * كما ترمون قبر أبي رغال والرجم عادة قديمة حكاها القرآن عن قوم نوح قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ سورة الشعراء : 116 ] . وعن أبي إبراهيم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [ سورة مريم : 46 ] . وقال قوم شعيب : وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ [ سورة هود : 91 ] . وليس المراد به الرجم المذكور عقبه في قوله : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ لأن الاستثناء يمنع من ذلك في قوله : إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ . واستراق السمع : سرقته . صيغ وزن الافتعال للتكلف . ومعنى استراقه الاستماع بخفية من المتحدث كأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه عنه . و « أتبعه » بمعنى تبعه . والهمزة زائدة مثل همزة أبان بمعنى بان . وتقدم في قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ في سورة الأعراف [ 175 ] . والمبين : الظاهر البين . وفيه تعليم لهم بأن الشهب التي يشاهدونها متساقطة في السماء هي رجوم للشياطين المسترقة طردا لها عن استراق السمع كاملا ، فقد عرفوا ذلك من عهد الجاهلية ولم يعرفوا سببه .