الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
23
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الدلائل الواضحة من خلق السماوات والأرض ، ثم أعقبها بدلائل إمكان البعث من خلق الحياة والموت وانقراض أمم وخلفها بأخرى في قوله تعالى : وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ [ سورة الحجر : 23 ] الآية . وصادف ذلك مناسبة ذكر فتح أبواب السماء في تصوير غلوائهم بعنادهم ، فكان الانتقال إليه تخلصا بديعا . وفيه ضرب من الاستدلال على مكابرتهم فإنهم لو أرادوا الحق لكان لهم في دلالة ما هو منهم غنية عن تطلب خوارق العادات . والخبر مستعمل في التذكير والاستدلال لأن مدلول هذه الأخبار معلوم لديهم . وافتتح الكلام بلام القسم وحرف التحقيق تنزيلا للمخاطبين الذاهلين عن الاستدلال بذلك منزلة المتردّد فأكّد لهم الكلام بمؤكدين . ومرجع التأكيد إلى تحقيق الاستدلال وإلى الإلجاء إلى الإقرار بذلك . والبروج : جمع برج - بضم الباء - . وحقيقته البناء الكبير المتّخذ للسكنى أو للتحصّن . وهو يرادف القصر ، قال تعالى : وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ في سورة النساء [ 78 ] . وأطلق البرج على بقعة معينة من سمت طائفة من النجوم غير السيارة ( وتسمى النجوم الثوابت ) متجمع بعضها بقرب بعض على أبعاد بينها لا تتغير فيما يشاهد من الجو ، فتلك الطائفة تكون بشكل واحد يشابه نقطا لو خططت بينها خطوط لخرج منها شبه صورة حيوان أو آلة سموا باسمها تلك النجوم المشابهة لهيئتها وهي واقعة في خط سير الشمس . وقد سماها الأقدمون من علماء التوقيت بما يرادف معنى الدار أو المكان . وسماها العرب بروجا ودارات على سبيل الاستعارة المجعولة سببا لوضع الاسم ؛ تخيّلوا أنها منازل للشمس لأنهم وقتوا بجهتها سمت موقع الشمس من قبة الجو نهارا فيما يخيل للناظر أن الشمس تسير في شبه قوس الدائرة . وجعلوها اثني عشر مكانا بعدد شهور السنة الشمسية وما هي في الحقيقة إلا سموت لجهات تقابل كل جهة منها الأرض من جهة وراء الشمس مدة معينة . ثم إذا انتقل موقع الأرض من مدارها كل شهر من السنة تتغير الجهة المقابلة لها . فبما كان لها من النظام تسنّى أن تجعل علامات لمواقيت حلول الفصول الأربعة وحلول الأشهر الاثني عشر ، فهم ضبطوا لتلك العلامات حدودا وهمية عينوا مكانها في اللّيل من جهة موقع الشمس في النهار وأعادوا رصدها يوما فيوما ، وكلما