الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطف على جملة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] باعتبار أن تلك جواب عن استهزائهم في قولهم : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] فإن جملة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ قول بموجب قولهم : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ . وجملة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ إبطال لاستهزائهم على طريقة التمثيل بنظرائهم من الأمم السالفة . وفي هذا التنظير تحقيق لكفرهم لأن كفر أولئك السالفين مقرّر عند الأمم ومتحدّث به بينهم . وفيه أيضا تعريض بوعيد أمثالهم وإدماج بالكناية عن تسلية الرسول - عليه الصلاة والسلام - . والتأكيد بلام القسم و ( قد ) لتحقيق سبق الإرسال من اللّه ، مثل الإرسال الذي جحدوه واستعجبوه كقوله : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ سورة يونس : 2 ] . وذلك مقتضى موقع قوله : مِنْ قَبْلِكَ . والشيع جمع شيعة وهي الفرقة التي أمرها واحد ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً في سورة الأنعام [ 65 ] . ويأتي في قوله تعالى : ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ في سورة مريم [ 69 ] ، أي في أمم الأولين ، أي القرون الأولى فإن من الأمم من أرسل إليهم ومن الأمم من لم يرسل إليهم . فهذا وجه إضافة شِيَعِ إلى الْأَوَّلِينَ . و كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يدلّ على تكرر ذلك منهم وأنه سنتهم ، ف ( كان ) دلّت على أنه سجية لهم ، والمضارع دل على تكرره منهم . ومفعول أَرْسَلْنا محذوف دلت عليه صيغة الفعل ، أي رسلا ، ودلّ عليه قوله : مِنْ رَسُولٍ . وتقديم المجرور على يَسْتَهْزِؤُنَ يفيد القصر للمبالغة ، لأنهم لما كانوا يكثرون الاستهزاء برسولهم وصار ذلك سجية لهم نزلوا منزلة من ليس له عمل إلا الاستهزاء بالرسول . [ 12 ، 13 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 12 إلى 13 ] كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( 13 )