الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
95
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عليه السلام - باستفادته من الكلام مرتين : مرة بالصراحة ومرة بالاستدراك . والمعنى : أن أكثر الناس في جهالة عن وضع هاته الحقائق موضعها ولا يخلون عن مضيع لإحداهما ، ويفسر هذا المعنى قول عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - لمّا أمر المسلمين بالقفول عن عمواس لمّا بلغه ظهور الطاعون بها وقال له أبو عبيدة : أفرارا من قدر اللّه فقال عمر - رضي اللّه عنه - : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ألسنا نفرّ من قدر اللّه إلى قدر اللّه . . . إلى آخر الخبر . [ 69 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 69 ] وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 69 ) موقع جملة وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ كموقع جملة وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ [ سورة يوسف : 68 ] في إيجاز الحذف . والإيواء : الإرجاع . وتقدم في قوله تعالى : أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ في سورة يونس [ 8 ] . وأطلق الإيواء هنا مجازا على الإدناء والتقريب كأنه إرجاع إلى مأوى ، وإنما أدناه ليتمكن من الإسرار إليه بقوله : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ . وجملة قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ بدل اشتمال من جملة آوى إِلَيْهِ أَخاهُ . وكلمه بكلمة مختصرة بليغة إذ أفاده أنه هو أخوه الذي ظنه أكله الذئب . فأكد الخبر ب ( إنّ ) وبالجملة الاسمية وبالقصر الذي أفاده ضمير الفصل ، أي أنا مقصور على الكون أخاك لا أجنبي عنك ، فهو قصر قلب لاعتقاده أن الذي كلّمه لا قرابة بينه وبينه . وفرّع على هذا الخبر فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . والابتئاس : مطاوعة الإبئاس ، أي جعل أحد بائسا ، أي صاحب بؤس . والبؤس : هو الحزن والكدر . وتقدم نظير هذا التركيب في قصة نوح - عليه السلام - من سورة هود . والضميران في كانُوا و يَعْمَلُونَ راجعان إلى إخوتهما بقرينة المقام ، وأراد بذلك ما كان يجده أخوه ( بنيامين ) من الحزن لهلاك أخيه الشقيق وفظاظة إخوته وغيرتهم منه . والنهي عن الابتئاس مقتض الكفّ عنه ، أي أزل عنك الحزن واعتض عنه بالسرور .