الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

90

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اللّه أو نحو ذلك ، وبهذا يضاف الميثاق والعهد إلى اسم الجلالة كأنّ الحالف استودع اللّه ما به التوثق للمحلوف له . وجملة لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جواب لقسم محذوف دلّ عليه مَوْثِقاً . وهو حكاية لقول يقوله أبناؤه المطلوب منهم إيقاعه حكاية بالمعنى على طريقة حكاية الأقوال لأنهم لو نطقوا بالقسم لقالوا : لنأتينك به ، فلما حكاه هو ركب الحكاية بالجملة التي هي كلامهم وبالضمائر المناسبة لكلامه بخطابه إياهم . ومن هذا النوع قوله تعالى حكاية عن عيسى - عليه السّلام - ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ سورة المائدة : 117 ] ، وإن ما أمره اللّه : قل لهم أن يعبدوا ربك وربهم . ومعنى يُحاطَ بِكُمْ يحيط بكم محيط والإحاطة : الأخذ بأسر أو هلاك مما هو خارج عن قدرتهم ، وأصله إحاطة الجيش في الحرب ، فاستعمل مجازا في الحالة التي لا يستطاع التغلب عليها ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ سورة يونس : 22 ] . والاستثناء في إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ استثناء من عموم أحوال ، فالمصدر المنسبك من أَنْ مع الفعل في موضع الحال ، وهو كالإخبار بالمصدر فتأويله : إلّا محاطا بكم . وقوله : اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ تذكير لهم بأن اللّه رقيب على ما وقع بينهم . وهذا توكيد للحلف . والوكيل : فعيل بمعنى مفعول ، أي موكول إليه ، وتقدم في وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ في سورة آل عمران [ 173 ] . [ 67 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 67 ] وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وَقالَ يا بَنِيَّ عطف على جملة قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ [ يوسف : 66 ] . وإعادة فعل قالَ للإشارة إلى اختلاف زمن القولين وإن كانا معا مسبّبين على إيتاء موثقهم ، لأنه اطمأن لرعايتهم ابنه وظهرت له المصلحة في سفرهم للامتار ، فقوله : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ صادر في وقت إزماعهم الرحيل . والمقصود من حكاية