الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لعقلكم ما يحتوي عليه ، وعبّر عن العلم بالعقل للإشارة إلى أنّ دلالة القرآن على هذا العلم قد بلغت في الوضوح حدّ أن ينزّل من لم يحصل له العلم منها منزلة من لا عقل له ، وأنّهم ما داموا معرضين عنه فهم في عداد غير العقلاء . وحذف مفعول تَعْقِلُونَ للإشارة إلى أنّ إنزاله كذلك هو سبب لحصول تعقل لأشياء كثيرة من العلوم من إعجاز وغيره . وتقدّم وجه وقوع ( لعلّ ) في كلام اللّه تعالى ، ومحمل الرجاء المفاد بها على ما يؤول إلى التعليل عند قوله تعالى : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ في سورة البقرة [ 52 ] ، وفي آيات كثيرة بعدها بما لا التباس بعده . [ 3 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 3 ] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) هذه الجملة تتنزل من جملة إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ سورة يوسف : 2 ] منزلة بدل الاشتمال لأنّ أحسن القصص ممّا يشتمل عليه إنزال القرآن . وكون القصص من عند اللّه يتنزّل منزلة الاشتمال من جملة تأكيد إنزاله من عند اللّه . وقوله : بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ يتضمّن رابطا بين جملة البدل والجملة المبدل منها . وافتتاح الجملة بضمير العظمة للتّنويه بالخبر ، كما يقول كتّاب « الديوان » : أمير المؤمنين يأمر بكذا . وتقديم الضمير على الخبر الفعليّ يفيد الاختصاص ، أي نحن نقصّ لا غيرنا ، ردّا على من يطعن من المشركين في القرآن بقولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ سورة النحل : 103 ] وقولهم : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها [ سورة الفرقان : 5 ] - وقولهم : يعلمه رجل من أهل اليمامة اسمه الرّحمن . وقول النضر بن الحارث المتقدّم ديباجة تفسير هذه السورة . وفي هذا الاختصاص توافق بين جملة البدل والجملة المبدل منها في تأكيد كون القرآن من عند اللّه المفاد بقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ سورة يوسف : 2 ] . ومعنى نَقُصُّ نخبر الأخبار السّالفة . وهو منقول من قصّ الأثر إذا تتبّع مواقع الأقدام ليتعرّف منتهى سير صاحبها . ومصدره : القصّ بالإدغام ، والقصص بالفكّ . قال