الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
71
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا الحلم . وتقديم هذا المعمول على الوصف العامل فيه كتقديم المجرور في قوله : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ . فلما ظهر عوص تعبير هذا الحلم تذكر ساقي الملك ما جرى له مع يوسف - عليه السّلام - فقال : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ . وابتداء كلامه بضميره وجعله مسندا إليه وخبره فعلي لقصد استجلاب تعجب الملك من أن يكون الساقي ينبئ بتأويل رؤيا عوصت على علماء بلاط الملك ، مع إفادة تقوّي الحكم ، وهو إنباؤه إياهم بتأويلها ، لأن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في سياق الإثبات يفيد التقوّي ، وإسناد الإنباء إليه مجاز عقلي لأنه سبب الإنباء ، ولذلك قال : فَأَرْسِلُونِ . وفي ذلك ما يستفز الملك إلى أن يأذن له بالذهاب إلى حيث يريد ليأتي بنبأ التأويل إذ لا يجوز لمثله أن يغادر مجلس الملك دون إذن . وقد كان موقنا بأنه يجد يوسف - عليه السّلام - في السجن لأنه قال : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ دون تردد . ولعل سبب يقينه ببقاء يوسف - عليه السّلام - في السجن أنه كان سجن الخاصة فكان ما يحدث فيه من إطلاق أو موت يبلغ مسامع الملك وشيعته . و ادَّكَرَ بالدال المهملة أصله : اذتكر ، وهو افتعال من الذكر ، قلبت تاء الافتعال دالّا لثقلها ولتقارب مخرجيهما ثم قلبت الذال ليتأتّى ادغامها في الدال لأن الدال أخف من الذال . وهذا أفصح الإبدال في ادّكر . وهو قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * [ سورة القمر : 15 ] كما في الصحيح . ومعنى بَعْدَ أُمَّةٍ بعد زمن مضى على نسيانه وصاية يوسف - عليه السّلام - . والأمة : أطلقت هنا على المدة الطويلة ، وأصل إطلاق الأمة على المدة الطويلة هو أنها زمن ينقرض في مثله جيل ، والجيل يسمى أمة ، كما في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ سورة آل عمران : 110 ] على قول من حمله على الصحابة . وإطلاقه في هذه الآية مبالغة في زمن نسيان الساقي . وفي التوراة كانت مدة نسيانه سنتين . وضمائر جمع المخاطب في أُنَبِّئُكُمْ - فَأَرْسِلُونِ مخاطب بها الملك على وجه التعظيم كقوله تعالى : قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [ سورة المؤمنون : 99 ] . ولم يسمّ لهم المرسل إليه لأنه أراد أن يفاجئهم بخبر يوسف - عليه السّلام - بعد