الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

49

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قبّحت له هذا الفعل ، وقيل : هو وحي إلهي ، وقيل : حفظ إلهي ، وقيل : مشاهدات تمثلت له . والإشارة في قوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إلى شيء مفهوم مما قبله بتضمنه قوله : رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ، وهو رأي البرهان ، أي أريناه كذلك الرأي لنصرف عنه السوء . والصرف : نقل الشيء من مكان إلى مكان ، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه . عبر به عن العصمة من شيء يوشك أن يلابس شيئا . والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن اللّه صرفهما عنه . والسوء : القبيح ، وهو خيانة من ائتمنه . والفحشاء : المعصية ، وهي الزنى . وتقدم السوء والفحشاء عند قوله تعالى : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ في سورة البقرة [ 169 ] . ومعنى صرفهما عنه صرف ملابسته إياهما . وجملة إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ تعليل لحكمة صرفه عن السوء والفحشاء الصرف الخارق للعادة لئلا ينتقص اصطفاء اللّه إياه في هذه الشدة على النفس . قرأ نافع ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف الْمُخْلَصِينَ - بفتح اللام - أي الذين أخلصهم اللّه واصطفاهم . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب - بكسر اللام - على معنى المخلصين دينهم للّه . ومعنى التعليل على القراءتين واحد . والاستباق : افتعال من السبق . وتقدم آنفا ، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما السبق ، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب . وانتصب الْبابَ على نزع الخافض . وأصله : واستبقا إلى الباب ، مثل وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [ سورة الأعراف : 155 ] ، أي من قومه ، أو على تضمين اسْتَبَقَا معنى ابتدرا . والتعريف في ( الباب ) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة . وذلك أن يوسف - عليه السّلام - فرّ من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه .