الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

47

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأيا ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها . وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر . وذكر وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى اللّه ، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز . وأكد ذلك بوصفه بجملة أَحْسَنَ مَثْوايَ ، أي جعل آخرتي حسنى ، إذ أنقذني من الهلاك ، أو أكرم كفالتي . وتقدم آنفا تفسير المثوى . وجملة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تعليل ثان للامتناع . والضمير المجعول اسما ل ( إن ) ضمير الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبرا عنه لأنها موعظة جامعة . وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم ، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة ، وظلم سيده الذي آمنه على بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجا وأحصنها . والهم : العزم على الفعل . وتقدم عند قوله تعالى : وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا في سورة براءة [ 74 ] . وأكد همّها ب لَقَدْ ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزما محققا . وجملة وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ مستأنفة استئنافا ابتدائيا . والمقصود : أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة . والمقصود من ذكر همّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم . وجملة وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ معطوفة على جملة وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ كلها . وليست معطوفة على جملة هَمَّتْ التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام ، لأنه لما أردفت جملة وَهَمَّ بِها بجملة شرط لَوْ لا المتمحض لكونه من أحوال يوسف - عليه السّلام - وحده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين ، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها . فالتقدير : ولولا أن رأي برهان ربه لهمّ بها ، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به . ولم يقرن الجواب باللّام التي يكثر اقتران جواب لَوْ لا بها لأنه ليس لازما ولأنه لمّا قدم على لَوْ لا كره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط ، فيحسن الوقف على قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ليظهر معنى الابتداء بجملة وَهَمَّ بِها واضحا . وبذلك يظهر أن يوسف - عليه السّلام - لم يخالطه همّ بامرأة