الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
40
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
السّلام - ، أي خبر التقاطه خشية أن يكون من ولدان بعض الأحياء القريبة من الماء قد تردّى في الجب ، فإذا علم أهله بخبره طلبوه وانتزعوه منهم لأنهم توسموا منه مخائل أبناء البيوت ، وكان الشأن أن يعرّفوا من كان قريبا من ذلك الجب ويعلنوا كما هو الشأن في التعريف باللّقطة ، ولذلك كان قوله : وَأَسَرُّوهُ مشعرا بأن يوسف - عليه السّلام - أخبرهم بقصته ، فأعرضوا عن ذلك طمعا في أن يبيعوه . وذلك من فقدان الدين بينهم أو لعدم العمل بالدين . و بِضاعَةً منصوب على الحال المقدّرة من الضمير المنصوب في أَسَرُّوهُ ، أي جعلوه بضاعة . والبضاعة : عروض التجارة ومتاعها ، أي عزموا على بيعه . وجملة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ معترضة ، أي واللّه عليم بما يعملون من استرقاق من ليس لهم حقّ في استرقاقه ، ومن كان حقّه أن يسألوا عن قومه ويبلغوه إليهم ، لأنهم قد علموا خبره ، أو كان من حقهم أن يسألوه لأنه كان مستطيعا أن يخبرهم بخبره . وفي عثور السيارة على الجب الذي فيه يوسف - عليه السّلام - آية من لطف اللّه به . [ 20 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 20 ] وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 ) معنى شَرَوْهُ باعوه . يقال : شرى كما يقال : باع ، ويقال : اشترى كما يقال : ابتاع . ومثلهما رهن وارتهن ، وعاوض واعتاض ، وكرى واكترى . والأصل في ذلك وأمثاله أن الفعل للحدث والافتعال لمطاوعة الحدث . ومن فسر شَرَوْهُ باشتروه أخطأ خطأ أوقعه فيه سوء تأويل قوله : وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ . وما ادّعاه بعض أهل اللغة أن شرى واشترى مترادفان في معنييهما يغلب على ظني أنه وهم إذ لا دليل يدل عليه . والبخس : أصله مصدر بخسه إذا نقصه عن قيمة شيئه . وهو هنا بمعنى المبخوس كالخلق بمعنى المخلوق . وتقدم فعل البخس عند قوله تعالى : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً في سورة البقرة [ 282 ] . و دَراهِمَ بدل من بِثَمَنٍ وهي جمع درهم ، وهو المسكوك . وهو معرّب عن الفارسية كما في « صحاح الجوهري » . وقد أغفله الذين جمعوا ما هو معرب في القرآن كالسيوطي في « الإتقان » .