الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
38
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتعبير عما أصاب يوسف - عليه السّلام - ب ما تَصِفُونَ في غاية البلاغة لأنه كان واثقا بأنهم كاذبون في الصفة وواثقا بأنهم ألحقوا بيوسف - عليه السّلام - ضرا فلما لم يتعيّن عنده المصاب أجمل التعبير عنه إجمالا موجها لأنهم يحسبون أن ما يصفونه هو موته بأكل الذئب إياه ويعقوب - عليه السّلام - يريد أن ما يصفونه هو المصاب الواقع الذي وصفوه وصفا كاذبا . فهو قريب من قوله تعالى : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [ سورة الصافات : 180 ] . وإنما فوض يعقوب - عليه السّلام - الأمر إلى اللّه ولم يسع للكشف عن مصير يوسف - عليه السّلام - لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه ، ولأنه لا عضد له يستعين به على أبنائه أولئك . وقد صاروا هم الساعين في البعد بينه وبين يوسف - عليه السّلام - ، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف - عليه السّلام - بدونهم ، ألا ترى أنه لما وجد منهم فرصة قال لهم : اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [ سورة يوسف : 87 ] . [ 19 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 19 ] وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 19 ) عطف على وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ [ سورة يوسف : 16 ] عطف قصة على قصة . وهذا رجوع إلى ما جرى في شأن يوسف - عليه السّلام - ، والمعنى : وجاءت الجبّ . و ( السّيّارة ) تقدم آنفا . والوارد : الذي يرد الماء ليستقي للقوم . والإدلاء : إرسال الدلو في البئر لنزع الماء . والدلو : ظرف كبير من جلد مخيط له خرطوم في أسفله يكون مطويا على ظاهر الظرف بسبب شده بحبل مقارن للحبل المعلقة فيه الدلو . والدلو مؤنثة . وجملة قال يا بشراي مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ذكر إدلاء الدلو يهيّئ السامع للسؤال عمّا جرى حينئذ فيقع جوابه قال يا بشراي . والبشرى : تقدمت في قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ في سورة يونس [ 64 ] .