الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بالخسران : انتفاء النفع المرجوّ من الرّجال ، استعاروا له انتفاء نفع التاجر من تجره ، وهو خيبة مذمومة ، أي إنّا إذن لمسلوبون من صفات الفتوة من قوة ومقدرة ويقظة . فكونهم عصبة يحول دون تواطيهم على ما يوجب الخسران لجميعهم . وتقدم معنى العصبة آنفا ، وفي هذا عبرة من مقدار إظهار الصّلاح مع استبطان الضرّ والإهلاك . وقرأ الجمهور بتحقيق همزة الذِّئْبُ على الأصل . وقرأه ورش عن نافع ، والسوسي عن أبي عمرو ، والكسائيّ بتخفيف الهمزة ياء . وفي بعض التفاسير نسب تخفيف الهمزة إلى خلف ، وأبي جعفر ، وذلك لا يعرف في كتب القراءات . وفي البيضاوي أنّ أبا عمرو أظهر الهمزة في التوقّف ، وأنّ حمزة أظهرها في الوصل . [ 15 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 15 ] فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) تفريع حكاية الذّهاب به والعزم على إلقائه في الجبّ على حكاية المحاورة بين يعقوب - عليه السّلام - وبنيه في محاولة الخروج بيوسف - عليه السّلام - إلى البادية يؤذن بجمل محذوفة فيها ذكر أنهم ألحوا على يعقوب - عليه السّلام - حتّى أقنعوه فأذن ليوسف - عليه السّلام - بالخروج معهم ، وهو إيجاز . والمعنى : فلمّا أجابهم يعقوب - عليه السّلام - إلى ما طلبوا ذهبوا به وبلغوا المكان الذي فيه الجب . وفعل ( أجمع ) يتعدّى إلى المفعول بنفسه . ومعناه : صمّم على الفعل ، فقوله : أَنْ يَجْعَلُوهُ هو مفعول وَأَجْمَعُوا . وجواب ( لمّا ) محذوف دلّ عليه أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ، والتقدير : جعلوه في الجب . ومثله كثير في القرآن . وهو من الإيجاز الخاص بالقرآن فهو تقليل في اللّفظ لظهور المعنى . وجملة وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ معطوفة على جملة وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ، لأنّ هذا الموحى من مهمّ عبر القصة . وقيل : الواو مزيدة وجملة أَوْحَيْنا هو جواب ( لمّا ) ، وقد قيل بمثل ذلك في قوله امرئ القيس :