الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

250

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والطيبة : النافعة . استعير الطيب للنفع لحسن وقعه في النفوس كوقع الروائح الذكية . وتقدم عند قوله تعالى : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ في سورة يونس [ 22 ] . والفرع : ما امتد من الشيء وعلا ، مشتق من الافتراع وهو الاعتلاء . وفرع الشجرة غصنها ، وأصل الشجرة : جذرها . والسماء مستعمل في الارتفاع ، وذلك مما يزيد الشجرة بهجة وحسن منظر . والأكل - بضم الهمزة - المأكول ، وإضافته إلى ضمير الشجرة على معنى اللام . وتقدم عند قوله : وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ في سورة الرعد [ 4 ] . فالمشبّه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحس والفرح في النفس ، وازدياد أصول النفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رسوخ الأصل ، وجمال المنظر ، ونماء أغصان الأشجار . ووفرة الثمار ، ومتعة أكلها . وكل جزء من أجزاء إحدى الهيئتين يقابله الجزء الآخر من الهيئة الأخرى ، وذلك أكمل أحوال التمثيل أن يكون قابلا لجمع التشبيه وتفريقه . وكذلك القول في تمثيل حال الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة على الضد بجميع الصفات الماضية من اضطراب الاعتقاد ، وضيق الصدر ، وكدر التفكير ، والضر المتعاقب . وقد اختصر فيها التمثيل اختصارا اكتفاء بالمضاد ، فانتفت عنها سائر المنافع للكلمة الطيبة . و في « جامع الترمذي » عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مثل كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها » قال : هي النخلة ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ قال : هي الحنظل . وجملة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ صفة لشجرة خبيثة لأن الناس لا يتركونها تلتف على الأشجار فتقتلها . والاجتثاث : قطع الشيء كلّه ، مشتق من الجثة وهي الذات . و مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ تصوير ل اجْتُثَّتْ . وهذا مقابل قوله في صفة الشجرة الطيبة أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ . وجملة ما لَها مِنْ قَرارٍ تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن الاجتثاث من انعدام القرار .