الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
25
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا فنّ من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السّامعين لتتأثّر بالغرض المطلوب . فإنّ حالة تأثّر النفوس تغني عن الخطيب عناء جمل كثيرة من بيان العلل والفوائد ، كما قال الحريري في المقامة الحادية عشرة « فلما دفنوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متأبّطا لهراوة ، فقال لمثل هذا فليعمل العاملون » . وانهلّ في الخطب . والأمر مستعمل في الإرشاد . وأرادوا ارتكاب شيء يفرّق بين يوسف وأبيه - عليهما السّلام - تفرقة لا يحاول من جرّائها اقترابا بأن يعدموه أو ينقلوه إلى أرض أخرى فيهلك أو يفترس . وهذه آية من عبر الأخلاق السيّئة وهي التّخلّص من مزاحمة الفاضل بفضله لمن هو دونه فيه أو مساويه بإعدام صاحب الفضل وهي أكبر جريمة لاشتمالها على الحسد ، والإضرار بالغير ، وانتهاك ما أمر اللّه بحفظه ، وهم قد كانوا أهل دين ومن بيت نبوءة وقد أصلح اللّه حالهم من بعد وأثنى عليهم وسمّاهم الأسباط . وانتصب أَرْضاً على تضمين اطْرَحُوهُ معنى أودعوه ، أو على نزع الخافض ، أو على تشبيهه بالمفعول فيه لأنّ أَرْضاً اسم مكان فلما كان غير محدود وزاد إبهاما بالتّنكير عومل معاملة أسماء الجهات ، وهذا أضعف الوجوه . وقد علم أنّ المراد أرض مجهولة لأبيه . وجزم يَخْلُ في جواب الأمر ، أي إن فعلتم ذلك يخل لكم وجه أبيكم . والخلوّ : حقيقته الفراغ . وهو مستعمل هنا مجازا في عدم التوجّه لمن لا يرغبون توجّهه له ، فكأنّ الوجه خلا من أشياء كانت حالة فيه . واللّام في قوله لَكُمْ لام العلة ، أي يخل وجه أبيكم لأجلكم ، بمعنى أنّه يخلو ممّن عداكم فينفرد لكم . وهذا المعنى كناية تلويح عن خلوص محبّته لهم دون مشارك . وعطف وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد يوسف - عليه السّلام - على يَخْلُ ليكون من جملة الجواب للأمر . فالمراد كون ناشئ عن فعل المأمور به فتعيّن أن يكون المراد من الصلاح فيه الصلاح الدنيوي ، أيّ صلاح الأحوال في عيشهم مع أبيهم ، وليس المراد الصلاح الديني .