الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
248
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
شدة التبري من إشراكهم إياه في العبادة فإن أراد من مضي كَفَرْتُ مضي الأزمنة كلها ، أي كنت غير راض بإشراككم إياي فهو كذب منه أظهر به التذلل ؛ وإن كان مراده من المضي إنشاء عدم الرضى بإشراكهم إياه فهو ندامة بمنزلة التوبة حيث لا يقبل متاب . و مِنْ قَبْلُ على التقديرين متعلق ب أَشْرَكْتُمُونِ . والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع اللّه لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن ، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة ، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته . وجملة إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ من الكلام المحكي عن الشيطان . وهي في موقع التعليل لما تقدم من قوله : ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ، أي لأنه لا يدفع عنكم العذاب دافع فهو واقع بكم . [ 23 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 23 ] وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ( 23 ) عطف على جملة وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ، وهو انتقال لوصف حال المؤمنين يومئذ بمناسبة ذكر حال المشركين لأن حال المؤمنين يومئذ من جملة الأحوال المقصودة بالوصف إظهارا لتفاوت الأحوال ، فلم يدخل المؤمنون يومئذ في المنازعة والمجادلة تنزيها لهم عن الخوض في تلك الغمرة ، مع التنبيه على أنهم حينئذ في سلامة ودعة . ويجوز جعل الواو للحال ، أي برزوا وقال الضعفاء وقال الكبراء وقال الشيطان إلخ وقد أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ، فيكون إشارة إلى أنهم فازوا بنزل الكرامة من أول وهلة . وقوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إشارة إلى العناية والاهتمام ، فهو إذن أخص من أمر القضاء العام . وقوله : تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ تقدم نظيره في أول سورة يونس . [ 24 - 26 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 24 إلى 26 ] أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 )