الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
234
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تقديم المجرور من معنى الشرط الذي يدل عليه المقام . والتقدير : إن عجبتم من قلة اكتراثنا بتكذيبكم أيها الكافرون ، وإن خشيتم هؤلاء المكذّبين أيها المؤمنون فليتوكل المؤمنون على اللّه فإنهم لن يضيرهم عدوّهم . وهذا كقوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كما تقدم في سورة العقود [ 23 ] . والتوكّل : الاعتماد وتفويض التدبير إلى الغير ثقة بأنه أعلم بما يصلح ، فالتوكل على اللّه تحقق أنه أعلم بما ينفع أولياءه من خير الدنيا والآخرة . وقد تقدم الكلام على التوكّل عند قوله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في سورة آل عمران [ 59 ] . وجملة وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ استدلال على صدق رأيهم في تفويض أمرهم إلى اللّه ، لأنهم رأوا بوارق عنايته بهم إذ هداهم إلى طرائق النجاة والخير ، ومبادئ الأمور تدل على غاياتها . وأضافوا السبل إلى ضميرهم للاختصار لأن أمور دينهم صارت معروفة لدى الجميع فجمعها قولهم : سُبُلَنا . وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ استفهام إنكاري لانتفاء توكلهم على اللّه ، أتوا به في صورة الإنكار بناء على ما هو معروف من استحماق الكفار إيّاهم في توكلهم على اللّه ، فجاءوا بإنكار نفي التوكل على اللّه ، ومعنى وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ ما ثبت لنا من عدم التوكل ، فاللام للاستحقاق . وزادوا قومهم تأييسا من التأثر بالأذى فأقسموا على أن صبرهم على أذى قومهم سيستمر ، فصيغة الاستقبال المستفادة من المضارع المؤكد بنون التوكيد في وَلَنَصْبِرَنَّ دلت على أذى مستقبل . ودلّت صيغة المضي المنتزع منها المصدر في قوله : ما آذَيْتُمُونا على أذى مضى . فحصل من ذلك معنى نصبر على أذى متوقع كما صبرنا على أذى مضى . وهذا إيجاز بديع . وجملة وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يحتمل أن تكون من بقية كلام الرسل فتكون تذييلا وتأكيدا لجملة وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فكانت تذييلا لما فيها من العموم الزائد في قوله : الْمُتَوَكِّلُونَ على عموم فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . وكانت تأكيدا لأن المؤمنين من جملة المتوكلين . والمعنى : من كان متوكلا في أمره على غيره فليتوكل على اللّه .