الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
222
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالتبيين . والمعنى أن الإرسال بلسان قومه لحكمة التبيين . وقد يحصل أثر التبيين بمعونة الاهتداء وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبيّن لهم . والإضلال والهدى من اللّه بما أعد في نفوس الناس من اختلاف الاستعداد . وجملة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تذييل لأن العزيز قويّ لا ينفلت شيء من قدرته ولا يخرج عما خلق له ، والحكيم يضع الأشياء مواضعها ، فموضع الإرسال والتبيين أتي على أكمل وجه من الإرشاد . وموقع الإضلال والهدى هو التكوين الجاري على أنسب حال بأحوال المرسل إليهم ، فالتبيين من مقتضى أمر التشريع والإضلال من مقتضى أمر التكوين . [ 5 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 5 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 ) لما كانت الآيات السابقة مسوقة للرد على من أنكروا أن القرآن منزل من اللّه أعقب الرد بالتمثيل بالنظير وهو إرسال موسى - عليه السّلام - إلى قومه بمثل ما أرسل به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبمثل الغاية التي أرسل لها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليخرج قومه من الظلمات إلى النور . وتأكيد الإخبار عن إرسال موسى - عليه السّلام - بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المنكرين رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منزلة من ينكر رسالة موسى - عليه السّلام - لأن حالهم في التكذيب برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقتضي ذلك التنزيل ، لأن ما جاز على المثل يجوز على المماثل ، على أن منهم من قال : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . والباء في بِآياتِنا للمصاحبة ، أي إرسالا مصاحبا للآيات الدالة على صدقه في رسالته ، كما أرسل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مصاحبا لآية القرآن الدال على أنه من عند اللّه ، فقد تمّ التنظير وانتهض الدليل على المنكرين . و أَنْ تفسيرية ، فسر الإرسال بجملة « أخرج قومك » إلخ ، والإرسال فيه معنى القول فكان حقيقا بموقع أَنْ التفسيرية . و الظُّلُماتِ مستعار للشرك والمعاصي ، و النُّورِ مستعار للإيمان الحق والتقوى ، وذلك أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد في مصر بعد وفاة يوسف - عليه السّلام -