الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

22

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أنّ هذا الكلام من صنع اللّه ألقاه إلى رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - معجزة له على قومه أهل الفصاحة والبلاغة . والسائلون : مراد منهم من يتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله تعالى : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [ سورة فصلت : 10 ] . ومثل هذا يستعمل في كلام العرب للتشويق ، والحثّ على تطلب الخبر والقصة . قال طرفة : سائلوا عنّا الذي يعرفنا * بقوانا يوم تحلاق اللمم وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي : سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم * فليس سواء عالم وجهول وقال عامر بن الطفيل : طلّقت إن لم تسألي أيّ فارس * حليلك إذ لاقى صداء وخثعما وقال أنيف بن زبان النبهاني : فلمّا التقينا بين السّيف بيننا * لسائلة عنا حفي سؤالها وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى ، لأنّ النساء يعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها ، ولمّا جاء القرآن وكانت أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبار علم وحكمة صرف ذلك الاستعمال عن التوجيه إلى ضمير النسوة ، ووجّه إلى ضمير المذكّر كما في قوله : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ سورة المعارج : 1 ] وقوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ سورة النبأ : 1 ] . وقيل المراد ب ( السائلين ) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك . وهذا لا يستقيم لأنّ السورة مكيّة ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة . [ 8 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 8 ] إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 ) إِذْ ظرف متعلق ب ( كان ) من قوله : لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [ سورة يوسف : 7 ] ، فإنّ ذلك الزمان موقع من مواقع الآيات فإن في قولهم ذلك حينئذ عبرة من عبر الأخلاق التي تنشأ من حسد الإخوة والأقرباء ، وعبرة من المجازفة في تغليطهم أباهم ، واستخفافهم برأيه غرورا منهم ، وغفلة عن مراتب موجبات ميل الأب إلى