الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

219

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يمنع المارّ من سلوك الطريق . وجعل الطريق طريق اللّه لأنه موصل إلى مرضاته فكأنه موصل إليه ، أو يصدّون أنفسهم عن سبيل اللّه لأنهم عطلوا مواهبهم ومداركهم من تدبر آيات القرآن ، فكأنهم صدّوها عن السير في سبيل اللّه ويبغون السبيل العوجاء ، فعلم أن سبيل اللّه مستقيم ، قال تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ سورة الأنعام : 153 ] . والإشارة في قوله : أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ سورة إبراهيم : 3 ] للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا به من الضلال بسبب صدّهم عن سبيل الحق وابتغائهم سبيل الباطل ، ف أُولئِكَ في محل مبتدأ و فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ خبر عنه . ودلّ حرف الظرفية على أن الضلال محيط بهم فهم متمكنون منه . ووصف الضلال بالبعيد يجوز أن يكون على وجه المجاز العقلي ، وإنما البعيد هم الضالّون ، أي ضلالا بعدوا به عن الحق فأسند البعد إلى سببه . ويجوز أن يراد وصفه بالبعد على تشبيهه بالطريق الشاسعة التي يتعذر رجوع سالكها ، أي ضلال قوي يعسر إقلاع صاحبه عنه . ففيه استبعاد لاهتداء أمثالهم كقوله : أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ سورة الشورى : 18 ] وقوله : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [ سورة سبأ : 8 ] . وتقدم في قوله : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً في سورة النساء [ 116 ] . [ 4 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 4 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) إذا كانت صيغة القصر مستعملة في ظاهرها ومسلّطة على متعلّقي الفعل المقصور كان قصرا إضافيا لقلب اعتقاد المخاطبين ، فيتعين أن يكون ردّا على فريق من المشركين قالوا : هلا أنزل القرآن بلغة العجم . وقد ذكر في « الكشاف » في سورة فصلت عند قوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [ سورة فصلت : 44 ] فقال : كانوا لتعنتهم يقولون : هلا نزل القرآن بلغة العجم ، وهو مروي في « تفسير الطبري » هنالك عن سعيد بن جبير أن العرب قالوا ذلك . ثم يجوز أن يكون المراد بلغة العجم لغة غير العرب مثل العبرانية أو السريانية من