الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

217

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر - برفع اسم الجلالة - على أنه خبر عن مبتدإ محذوف . والتقدير : هو ( أي العزيز الحميد ) اللّه الموصوف بالذي له ما في السماوات الأرض . وهذا الحذف جار على حذف المسند إليه المسمى عند علماء المعاني تبعا للسكاكي بالحذف لمتابعة الاستعمال ، أي استعمال العرب عندما يجري ذكر موصوف بصفات أن ينتقلوا من ذلك إلى الإخبار عنه بما هو أعظم مما تقدم ذكره ليكسب ذلك الانتقال تقريرا للغرض ، كقول إبراهيم الصولي : سأشكر عمرا إن تراخت منيتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه * ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت أي هو فتى من صفته كيت وكيت . وقرأه الباقون إلّا رويسا عن يعقوب - بالجرّ - على البدلية من الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ، وهي طريقة عربية . ومآل القراءتين واحد وكلتا الطريقتين تفيد أن المنتقل إليه أجدر بالذكر عقب ما تقدمه ، فإن اسم الجلالة أعظم من بقية الصفات لأنه علم الذات الذي لا يشاركه موجود في إطلاقه ولا في معناه الأصلي المنقول منه إلى العلمية إلا أن الرفع أقوى وأفخم . وقرأه رويس عن يعقوب - بالرفع - إذا وقف على قوله : الْحَمِيدِ وابتدئ باسم اللَّهِ ، فإذا وصل الْحَمِيدِ باسم اللَّهِ جر اسم الجلالة على البدلية . وإجراء الوصف بالموصول على اسم الجلالة لزيادة التفخيم لا للتعريف ، لأن ملك سائر الموجودات صفة عظيمة واللّه معروف بها عند المخاطبين . وفيه تعريض بأن صراط غير اللّه من طرق آلهتهم ليس بواصل إلى المقصود لنقصان ذويه . وفي ذكر هذه الصلة إدماج تعريض بالمشركين الذين عبدوا ما ليس له السماوات والأرض . وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 3 )