الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
215
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تقدم الكلام عى الحروف المقطعة في فاتحة سورة البقرة وعلى نظير هذه الحروف في سورة يونس . كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الكلام على تركيب الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ كالكلام على قوله تعالى : المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ سورة الأعراف : 1 - 2 ] عدا أن هذه الآية ذكر فيها فاعل الإنزال وهو معلوم من مادة الإنزال المشعرة بأنه وارد من قبل العالم العلوي ، فللعلم بمنزله حذف الفاعل في آية سورة الأعراف ، وهو مقتضى الظاهر والإيجاز ؛ ولكنه ذكر هنا لأن المقام مقام الامتنان على الناس المستفاد من التعليل بقوله : لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، ومن ذكر صفة الربوبية بقوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ، بخلاف آية سورة الأعراف فإنها في مقام الطمأنة والتصبير للنبي - عليه الصلاة والسّلام - المنزل إليه الكتاب ، فكان التعرض لذكر المنزل إليه والاقتصار عليه أهم في ذلك المقام مع ما فيه من قضاء حق الإيجاز . أما التعرض للمنزل إليه هنا فللتنويه بشأنه ، وليجعل له حظ في هذه المنة وهو حظ الوساطة ، كما دل عليه قوله : لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، ولما فيه من غم المعاندين والمبغضين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولأجل هذا المقصد وقع إظهار صفات فاعل الإنزال ثلاث مرات في قوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بعد أن كان المقام للإضمار تبعا لقوله : أَنْزَلْناهُ . وإسناد الإخراج إلى النبي - عليه الصلاة والسّلام - لأنه يبلغ هذا الكتاب المشتمل على تبيين طرق الهداية إلى الإيمان وإظهار فساد الشرك والكفر ، وهو مع التبليغ يبين للناس ويقرب إليهم معاني الكتاب بتفسيره وتبيينه ، ثم بما يبنيه عليه من المواعظ والنذر والبشارة . وإذ قد أسند الإخراج إليه في سياق تعليل إنزال الكتاب إليه علم أن إخراجه إياهم من الظلمات بسبب هذا الكتاب المنزل ، أي بما يشتمل عليه من معاني الهداية . وتعليل الإنزال بالإخراج من الظلمات دل على أن الهداية هي مراد اللّه تعالى من الناس ، وأنه لم يتركهم في ضلالهم ، فمن اهتدى فبإرشاد اللّه ومن ضلّ فبإيثار الضال هوى نفسه على دلائل الإرشاد ، وأمر اللّه لا يكون إلا لحكم ومصالح بعضها أكبر من بعض .