الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

211

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أنهم يتطلبون الآيات الدالة على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، مظهرين أنهم في شك من صدقه وهم يبطنون التصميم على التكذيب . فذكرت هذه الآية أنهم قد أفصحوا تارات بما أبطنوه فنطقوا بصريح التكذيب وخرجوا من طور المكر إلى طور المجاهرة بالكفر فقالوا : لَسْتَ مُرْسَلًا . وقد حكي قولهم بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم ولاستحضار حالهم العجيبة من الاستمرار على التكذيب بعد أن رأوا دلائل الصدق ، كما عبر بالمضارع في قوله تعالى : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [ سورة هود : 38 ] وقوله : يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [ سورة هود : 11 ] . ولما كانت مقالتهم المحكية هنا صريحة لا مواربة فيها أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بجواب لا جدال فيه وهو تحكيم اللّه بينه وبينهم . وقد أمر الرسول - عليه الصلاة والسّلام - بأن يجيبهم جواب الواثق بصدقه المستشهد على ذلك بشهادة الصدق من إشهاد اللّه تعالى وإشهاد العالمين بالكتب والشرائع . ولما كانت الشهادة للرسول - عليه الصلاة والسّلام - بالصدق شهادة على الذين كفروا بأنهم كاذبون جعلت الشهادة بينه وبينهم . وإشهاد اللّه في معنى الحلف على الصدق كقول هود - عليه السّلام - إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [ هود : 54 ] . والباء الداخلة على اسم الجلالة الذي هو فاعل كَفى في المعنى للتأكيد وأصل التركيب : كفى اللّه . و شَهِيداً حال لازمة أو تمييز ، أي كفى اللّه من جهة الشاهد . وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ معطوف على اسم الجلالة . والموصول في وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يجوز أن يراد به جنس من يتصف بالصلة . والمعنى : وكل من عندهم علم الكتاب . وإفراد الضمير المضاف إليه عند لمراعاة لفظ مَنْ . وتعريف الْكِتابِ تعريف للعهد ، وهو التوراة ، أي وشهادة علماء الكتاب . وذلك أن اليهود كانوا قبل هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة يستظهرون على المشركين بمجيء النبي المصدق للتوراة . ويحتمل أن يكون المراد بمن عنده علم الكتاب معيّنا ، فهو ورقة بن نوفل إذ علم أهل مكة أنه شهد بأن ما أوحي به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الناموس الذي أنزل على موسى -