الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

209

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولذلك فجملة لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ في موضع الحال ، وهي المقيدة للفعل المراد إذ هي مصب الكلام إذ ليس الغرض الإعلام بأن اللّه يحكم إذ لا يكاد يخفى ، وإنما الغرض التنبيه إلى أنه لا معقب لحكمه . وأفاد نفي جنس المعقب انتفاء كل ما من شأنه أن يكون معقبا من شريك أو شفيع أو داع أو راغب أو مستعصم أو مفتد . والمعقب : الذي يعقب عملا فيبطله ، مشتق من العقب ، وهو استعارة غلبت حتى صارت حقيقة . وتقدم عند قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ [ سورة الرعد : 11 ] في هذه السورة ، كأنه يجيء عقب الذي كان عمل العمل . وإظهار اسم الجلالة بعد الإضمار الذي في قوله : أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ لتربية المهابة ، وللتذكير بما يحتوي عليه الاسم العظيم من معنى الإلهية والوحدانية المقتضية عدم المنازع ، وأيضا لتكون الجملة مستقلة بنفسها لأنها بمنزلة الحكمة والمثل . وجملة وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ يجوز أن تكون عطفا على جملة وَاللَّهُ يَحْكُمُ فتكون دليلا رابعا على أن وعده واقع وأن تأخره وإن طال فما هو إلا سريع باعتبار تحقق وقوعه ؛ ويجوز أن يكون عطفا على جملة الحال . والمعنى : يحكم غير منقوص حكمه وسريعا حسابه . ومآل التقديرين واحد . والحساب : كناية عن الجزاء والسرعة : العجلة ، وهي في كل شيء بحسبه . [ 42 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 42 ] وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) لما كان قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ سورة الرعد : 41 ] تهديدا وإنذارا مثل قوله : فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها [ محمد : 18 ] وهو إنذار بوعيد على تظاهرهم بطلب الآيات وهم يضمرون التصميم على التكذيب والاستمرار عليه . شبه عملهم بالمكر وشبه بعمل المكذبين السابقين كقوله : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [ سورة الأنبياء : 6 ] . وفي هذا التشبيه رمز إلى أن عاقبتهم كعاقبة الأمم التي عرفوها . فنقص أرض هؤلاء من أطرافها من مكر اللّه بهم جزاء مكرهم ، فلذلك أعقب بقوله : وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كما مكر هؤلاء . فجملة وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حال أو معترضة .