الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

198

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلن للفريقين بأنه ما أمر إلا بتوحيد اللّه كما في الآية الأخرى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [ سورة آل عمران : 64 ] ، فمن فرح بالقرآن فليزدد فرحا ومن أنكر بعضه فليأخذ بما لا ينكره وهو عدم الإشراك . وقد كان النصارى يتبرءون من الشرك ويعدّون اعتقاد بنوة عيسى - عليه السّلام - غير شرك . وهذه الآية من مجاراة الخصم واستنزال طائر نفسه كيلا ينفر من النظر . وبهذا التفسير يظهر موقع جملة قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ بعد جملة وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ وأنها جواب للفريقين . وأفادت إِنَّما أنه لم يؤمر إلا بأن يعبد اللّه ولا يشرك به ، أي لا بغير ذلك مما عليه المشركون ، فهو قصر إضافي دلت عليه القرينة . ولما كان المأمور به مجموع شيئين : عبادة اللّه ، وعدم الإشراك به في ذلك آل المعنى : أني ما أمرت إلا بتوحيد اللّه . ومن بلاغة الجدل القرآني أنه لم يأت بذلك من أول الكلام بل أتى به متدرّجا فيه فقال : أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ لأنه لا ينازع في ذلك أحد من أهل الكتاب ولا المشركين ، ثم جاء بعده وَلا أُشْرِكَ به لإبطال إشراك المشركين وللتعريض بإبطال إلهية عيسى - عليه السّلام - لأن ادعاء بنوته من اللّه تعالى يؤول إلى الإشراك . وجملة إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ بيان لجملة إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ، أي أن أعبده وأن ادعو الناس إلى ذلك ، لأنه لما أمر بذلك من قبل اللّه استفيد أنه مرسل من اللّه فهو مأمور بالدعوة إليه . وتقديم المجرور في الموضعين للاختصاص ، أي إليه لا إلى غيره أدعو ، أي بهذا القرآن ، وإليه لا إلى غيره مئابي ، فإن المشركين يرجعون في مهمّهم إلى الأصنام يستنصرونها ويستغيثونها ، وليس في قوله هذا ما ينكره أهل الكتاب إذ هو مما كانوا فيه سواء مع الإسلام . على أن قوله : وَإِلَيْهِ مَآبِ يعم الرجوع في الآخرة وهو البعث . وهذا من وجوه الوفاق في أصل الدين بين الإسلام واليهودية والنصرانية . وحذف ياء المتكلم من مآبي كحذفها في قوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ [ الرعد : 30 ] ، وقد مضى قريبا .