الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً عطف على وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً بحرف الإضراب ، أي ليس ذلك من شأن الكتب بل للّه أمر كل محدث فهو الذي أنزل الكتاب وهو الذي يخلق العجائب إن شاء ، وليس ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا عند سؤالكم ، فأمر اللّه نبيئه بأن يقول هذا الكلام إجراء لكلامهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم ، لأنهم ما أرادوا بما قالوه إلا التهكم ، فحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيها على أن الأولى بهم أن ينظروا هل كان في الكتب السابقة قرآن يتأتى به مثل ما سألوه . ومثل ذلك قول الحجاج للقبعثري : لأحملنّك على الأدهم ( يريد القيد ) . فأجابه القبعثري بأن قال : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ، فصرفه إلى لون فرس . والأمر هنا : التصرف التكويني ، أي ليس القرآن ولا غيره بمكوّن شيئا مما سألتم بل اللّه الذي يكوّن الأشياء . وقد أفادت الجملتان المعطوفة والمعطوف عليها معنى القصر لأن العطف ب بَلْ من طرق القصر ، فاللام في قوله : الْأَمْرُ للاستغراق ، و جَمِيعاً تأكيد له . وتقديم المجرور على المبتدأ لمجرد الاهتمام لأن القصر أفيد ب بَلْ العاطفة . وفرع على الجملتين أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً استفهاما إنكاريا إنكارا لانتفاء يأسي الذين آمنوا ، أي فهم حقيقون بزوال يأسهم وأن يعلموا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا . وفي هذا الكلام زيادة تقرير لمضمون جملة قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ [ سورة الرعد : 27 ] . و يَيْأَسِ بمعنى يوقن ويعلم ، ولا يستعمل هذا الفعل إلا مع أَنَّ المصدرية ، وأصله مشتق من اليأس الّذي هو تيقّن عدم حصول المطلوب بعد البحث ، فاستعمل في مطلق اليقين على طريقة المجاز المرسل بعلاقة اللزوم لتضمن معنى اليأس معنى العلم وشاع ذلك حتى صار حقيقة ، ومنه قول سحيم بن وثيل الرياحي : أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني * ألم تأيسوا أني ابن فارس زهدم وشواهد أخرى . وقد قيل : إن استعمال يئس بمعنى علم لغة هوازن أو لغة بني وهبيل ( فخذ من النخع سمي باسم جد ) . وليس هنالك ما يلجئ إلى هذا . هذا إذا جعل أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ