الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وذكر مِنْ كُلِّ بابٍ كناية عن كثرة غشيان الملائكة إياهم بحيث لا يخلو باب من أبواب بيوتهم لا تدخل منه ملائكة . ذلك أن هذا الدخول لما كان مجلبة مسرة كان كثيرا في الأمكنة . ويفهم منه أن ذلك كثير في الأزمنة فهو متكرر لأنهم ما دخلوا من كل باب إلا لأن كل باب مشغول بطائفة منهم ، فكأنه قيل من كل باب في كل آن . وجملة سَلامٌ عَلَيْكُمْ مقول قول محذوف لأن هذا لا يكون إلا كلاما من الداخلين . وهذا تحية يقصد منها تأنيس أهل الجنة . والباء في بِما صَبَرْتُمْ للسببية ، وهي متعلقة بالكون المستفاد من المجرور وهو عَلَيْكُمْ . والتقدير : نالكم هذا التكريم بالسلام بسبب صبركم . ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف مستفاد من المقام ، أي هذا النعيم المشاهد بما صبرتم . والمراد : الصبر على مشاق التكاليف وعلى ما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم . وفرع على ذلك فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ تفريع ثناء على حسن عاقبتهم . والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة مقام الخطاب عليه . والتقدير : فنعم عقبى الدار دار عقباكم . وتقدم معنى عُقْبَى الدَّارِ آنفا . [ 25 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 25 ] وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) هذا شرح حال أضداد الذين يوفون بعهد اللّه ، وهو ينظر إلى شرح مجمل قوله : كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ سورة الرعد : 19 ] . والجملة معطوفة على جملة الَّذِينَ يُوفُونَ [ الرعد : 20 ] . ونقض العهد : إبطاله وعدم الوفاء به . وزيادة مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ زيادة في تشنيع النقض ، أي من بعد توثيق العهد وتأكيده . وتقدم نظير هذه الآية قوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ في أوائل سورة البقرة : 26 - 27 ] . وجملة أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ خبر عن وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ وهي مقابل جملة أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ .