الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

176

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والسر والعلانية تقدم وجه ذكرهما في قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً أواخر سورة البقرة [ 274 ] . والدرء : الدفع والطرد . وهو هنا مستعار لإزالة أثر الشيء فيكون بعد حصول المدفوع وقبل حصوله بأن يعدّ ما يمنع حصوله ، فيصدق ذلك بأن يتبع السّيّئة إذا صدرت منه بفعل الحسنات فإن ذلك كطرد السيئة . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معاذ اتّق اللّه حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها » . وخاصة فيما بينه وبين ربه . ويصدق بأن لا يقابل من فعل معه سيّئة بمثله بل يقابل ذلك بالإحسان ، قال تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ سورة فصلت : 34 ] بأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه وذلك فيما بين الأفراد وكذلك بين الجماعات إذ لم يفض إلى استمرار الضر . قال تعالى في ذلك : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [ سورة الأنفال : 3 ] . ويصدق بالعدول عن فعل السيئة بعد العزم فإن ذلك العدول حسنة درأت السيّئة المعزوم عليه . قال النبي - عليه الصلاة والسّلام - : « من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه له حسنة » . فقد جمع يَدْرَؤُنَ جميع هذه المعاني ولهذا لم يعقب بما يقتضي أن المراد معاملة المسئ بالإحسان كما أتبع في قوله : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ في سورة فصلت [ 34 ] . وكما في قوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ في سورة المؤمنون [ 96 ] . وجملة أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ خبر عن الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ . ودل اسم الإشارة على أن المشار إليهم جديرون بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل ما وصف به المشار إليهم من الأوصاف ، كما في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في أول سورة البقرة [ 5 ] . و لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جملة خبرا عن اسم الإشارة . وقدم المجرور على المبتدأ للدلالة على القصر ، أي لهم عقبى الدار لا للمتصفين بأضداد صفاتهم ، فهو قصر إضافي . والعقبى : العاقبة ، وهي الشيء الذي يعقب ، أي يقع عقب شيء آخر . وقد اشتهر استعمالها في آخرة الخير ، قال تعالى : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * [ سورة القصص : 83 ] . ولذلك