الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

170

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ كما في شأن التذييل . [ 18 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 18 ] لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) استئناف بياني لجملة كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ، أي فائدة هذه الأمثال أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره . فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين والمشركين . ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا للّه بما عقلوا الأمثال فجوزوا بالحسنى ، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال ، قال تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : 43 ] ، فكان جزاؤهم عذابا عظيما وهو سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم . فمعنى اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ استجابوا لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره . وقوله : الْحُسْنى مبتدأ و لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا خبره . وفي العدول إلى الموصولين وصلتيهما في قوله : لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا - وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين . وتقديم المسند في قوله : لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى لأنه الأهم لأن الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه ، وفي ذلك تنويه بها أيضا . وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم . وتقدم نظير قوله : لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً في سورة العقود [ 36 ] . وأتي باسم الإشارة في أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة . و سُوءُ الْحِسابِ ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحساب . وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل .