الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
168
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فِي النَّارِ لأنها أخصر وأجمع ، ولأن الغرض في ذكر الجملة المجعولة صلة ، فلو ذكرت بكيفية غير صلة كالوصفية مثلا لكانت بمنزلة الفضلة في الكلام ولطال الكلام بذكر اسم المعدنين مع ذكر الصلة إذ لا محيد عن ذكر الوقود لأنه سبب الزبد ، فكان الإتيان بالموصول قضاء لحق ذكر الجملة مع الاختصار البديع . ولأنّ في العدول عن ذكر اسم الذهب والفضة إعراضا يؤذن بقلة الاكتراث بهما ترفعا عن ولع النّاس بهما فإن اسميهما قد اقترنا بالتعظيم في عرف النّاس . ومن في قوله : ومما توقدون ابتدائية . و ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ مفعول لأجله متعلق ب توقدون . ذكر لإيضاح المراد من الصلة ولإدماج ما فيه من منة تسخير ذلك للناس . لشدة رغبتهم فيهما . والحلية : ما يتحلى به ، أي يتزين وهو المصوغ . والمتاع : ما يتمتع به وينتفع ، وذلك المسكوك الذي يتعامل به الناس من الذهب والفضة . وقرأ الجمهور تُوقِدُونَ - بفوقية في أوله - على الخطاب ، وقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف - بتحتية - على الغيبة . وجملة كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ معترضة ، هي فذلكة التمثيل ببيان الغرض منه ، أي مثل هذه الحالة يكون ضرب مثل للحق والباطل . فمعنى يَضْرِبُ يبيّن ويمثل . وقد تقدم معنى يضرب عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في سورة البقرة [ 26 ] . فحذف مضاف في قوله : يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ ، والتقدير : يضرب اللّه مثل الحق والباطل ، دلالة فعل يَضْرِبُ على تقدير هذا المضاف . وحذف الجار من الْحَقَّ لتنزيل المضاف إليه منزلة المضاف المحذوف . وقد علم أن الزبد مثل للباطل وأن الماء مثل للحق ، فارتقى عند ذلك إلى ما في المثلين من صفتي البقاء والزوال ليتوصل بذلك إلى البشارة والنذارة لأهل الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم ، وأن الفريق الثاني زائل بائد ، كقوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ