الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 15 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 15 ] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 ) عطف على جملة لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [ سورة الرعد : 14 ] أي له دعوة الحق وله يسجد من في السماوات والأرض وذلك شعار الإلهية ، فأما الدعوة فقد اختص بالحقة منها دون الباطلة ، وأما السجود وهو الهويّ إلى الأرض بقصد الخضوع فقد اختص اللّه به على الإطلاق ، لأن الموجودات العليا والمؤمنين باللّه يسجدون له ، والمشركين لا يسجدون للأصنام ولا للّه تعالى ، ولعلهم يسجدون للّه في بعض الأحوال . وعدل عن ضمير الجلالة إلى اسمه تعالى العلم تبعا للأسلوب السابق في افتتاح الأغراض الأصلية . والعموم المستفاد من مَنْ الموصولة عموم عرفي يراد به الكثرة الكاثرة . والمقصود من طَوْعاً وَكَرْهاً تقسيم أحوال الساجدين . والمراد بالطوع الانسياق من النفس تقرّبا وزلفى لمحض التعظيم ومحبة اللّه . وبالكره الاضطرار عند الشدة والحاجة كما في قوله تعالى : ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [ سورة النحل : 53 ] . ومنه قولهم : مكره أخوك لا بطل ، أي مضطر إلى المقاتلة وليس المراد من الكره الضغط والإلجاء كما فسر به بعضهم فهو بعيد عن الغرض كما سيأتي . والظلال : جمع ظل ، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور . والضمير راجع إلى مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مخصوص بالصالح له من الأجسام الكثيفة ذات الظل تخصيصا بالعقل والعادة ، وهو عطف على مَنْ ، أي يسجد من في السماوات وتسجد ظلالهم . والغدوّ : الزمان الذي يغدو فيه الناس ، أي يخرجون إلى حوائجهم : إما مصدرا على تقدير مضاف ، أي وقت الغدو ؛ وإما جمع غدوة ، فقد حكي جمعها على غدوّ ، وتقدم في آخر سورة الأعراف . والآصال : جمع أصيل ، وهو وقت اصفرار الشمس في آخر المساء ، والمقصود من ذكرهما استيعاب أجزاء أزمنة الظل . ومعنى سجود الظلال أن اللّه خلقها من أعراض الأجسام الأرضية ، فهي مرتبطة بنظام انعكاس أشعة الشمس عليها وانتهاء الأشعة إلى صلابة وجه الأرض حتى تكون