الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
155
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 13 ] وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ( 13 ) استئناف ابتدائي على أسلوب تعداد الحجج الواحدة تلوى الأخرى ، فلأجل أسلوب التعداد إذ كان كالتكرير لم يعطف على جملة سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [ الرعد : 10 ] . وقد أعرب هذا عن مظهر من مظاهر قدرة اللّه وعجيب صنعه . وفيه من المناسبة للإنذار بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ [ سورة الرعد : 11 ] إلخ أنه مثال لتصرف اللّه بالإنعام والانتقام في تصرف واحد مع تذكيرهم بالنعمة التي هم فيها . وكل ذلك مناسب لمقاصد الآيات الماضية في قوله : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى [ سورة الرعد : 8 ] وقوله : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ سورة الرعد : 8 ] ، فكانت هذه الجملة جديرة بالاستقلال وأن يجاء بها مستأنفة لتكون مستقلة في عداد الجمل المستقلة الواردة في غرض السورة . وجاء هنا بطريق الخطاب على أسلوب قوله : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [ سورة الرعد : 10 ] لأن الخوف والطمع يصدران من المؤمنين ويهدد بهما الكفرة . وافتتحت الجملة بضمير الجلالة دون اسم الجلالة المفتتح به في الجمل السابقة ، فجاءت على أسلوب مختلف . وأحسب أن ذلك مراعاة لكون هاته الجملة مفرعة عن أغراض الجمل السابقة فإن جمل فواتح الأغراض افتتحت بالاسم العلم كقوله : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [ سورة الرعد : 2 ] وقوله : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى [ سورة الرعد : 8 ] وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ [ سورة الرعد : 11 ] ، وجمل التفاريع افتتحت بالضمائر كقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [ سورة الرعد : 4 ] وقوله : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ [ سورة الرعد : 3 ] وقوله : جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ . و خَوْفاً وَطَمَعاً مصدران بمعنى التخويف والإطماع ، فهما في محل المفعول لأجله لظهور المراد . وجعل البرق آية نذارة وبشارة معا لأنهم كانوا يسمون البرق فيتوسمون الغيث وكانوا يخشون صواعقه . وإنشاء السحاب : تكوينه من عدم بإثارة الأبخرة التي تتجمع سحابا . والسحاب : اسم جمع لسحابة . والثقال : جمع ثقيلة . والثقل كون الجسم أكثر كمية