الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

148

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ فاطر : 45 ] . وجملة وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ احتراس لئلا يحسبوا أن المغفرة المذكورة مغفرة دائمة تعريضا بأن العقاب حال بهم من بعد . [ 7 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 7 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) عطف على جملة وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ الآية . وهذه حالة من أعجوباتهم وهي عدم اعتدادهم بالآيات التي تأيّد بها محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وأعظمها آيات القرآن ، فلا يزالون يسألون آية كما يقترحونها ، فله اتصال بجملة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [ هود : 17 ] . ومرادهم بالآية في هذا خارق عادة على حساب ما يقترحون ، فهي مخالفة لما تقدم في قوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لأن تلك في تعجيل ما توعدهم به ، وما هنا في مجيء آية تؤيده كقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [ الأنعام : 8 ] . ولكون اقتراحهم آية يشفّ عن إحالتهم حصولها لجهلهم بعظيم قدرة اللّه تعالى سيق هذا في عداد نتائج عظيم القدرة ، كما دل عليه قوله تعالى في سورة الأنعام : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الأنعام : 36 ] فبذلك انتظم تفرع الجمل بعضها على بعض وتفرع جميعها على الغرض الأصلي . والذين كفروا هم عين أصحاب ضمير يَسْتَعْجِلُونَكَ ، وإنما عدل عن ضميرهم إلى اسم الموصول لزيادة تسجيل الكفر عليهم ، ولما يومئ إليه الموصول من تعليل صدور قولهم ذلك . وصيغة المضارع تدل على تجدد ذلك وتكرره . و لَوْ لا حرف تحضيض . يموهون بالتحضيض أنهم حريصون وراغبون في نزول آية غير القرآن ليؤمنوا ، وهم كاذبون في ذلك إذ لو أوتوا آية كما يقترحون لكفروا بها ، كما قال تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ الإسراء : 59 ] . وقد رد اللّه اقتراحهم من أصله بقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ، فقصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على