الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجيء في جمع راس بوزن فواعل لأن الموصوف به غير عاقل ، ووزن فواعل يطرد فيما مفرده صفة لغير عاقل مثل : صاهل وبازل . والاستدلال بخلق الجبال على عظيم القدرة لما في خلقها من العظمة المشاهدة بخلاف خلقة المعادن والتراب فهي خفية ، كما قال تعالى : وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [ الغاشية : 19 ] . والأنهار : جمع نهر ، وهو الوادي العظيم . وتقدم في سورة البقرة : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [ 249 ] . وقوله : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ عطف على أَنْهاراً فهو معمول ل جَعَلَ فِيها رَواسِيَ . ودخول مِنْ على كُلِّ جرى على الاستعمال العربي في ذكر أجناس غير العاقل كقوله : وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ * . و مِنَ * هذه تحمل على التبعيض لأن حقائق الأجناس لا تنحصر والموجود منها ما هو إلا بعض جزئيات الماهية لأن منها جزئيات انقضت ومنها جزئيات ستوجد . والمراد ب الثَّمَراتِ هي وأشجارها . وإنما ذكرت الثَّمَراتِ لأنها موقع منة مع العبرة كقوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ سورة الأعراف : 57 ] . فينبغي الوقف على وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، وبذلك انتهى تعداد المخلوقات المتصلة بالأرض . وهذا أحسن تفسيرا . ويعضده نظيره في قوله تعالى : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في سورة النحل [ 11 ] . وقيل إن قوله : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ابتداء كلام . وتتعلق مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ب جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، وبهذا فسر أكثر المفسرين . ويبعده أنه لا نكتة في تقديم الجار والمجرور على عامله على ذلك التقدير ، لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا ، ولأن الثمرات لا يتحقق فيها وجود أزواج ولا كون الزوجين اثنين . وأيضا فيه فوات المنة بخلق الحيوان وتناسله مع أن منه معظم نفعهم ومعاشهم . ومما يقرب ذلك قوله تعالى في نحو هذا المعنى أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً [ النبأ : 6 - 8 ] . والمعروف أن الزوجين هما الذكر والأنثى قال تعالى : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ سورة القيامة : 39 ] . والظاهر أن جملة جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من