الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 105 ، 106 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 105 إلى 106 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) عطف على جملة وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] ، أي ليس إعراضهم عن آية حصول العلم للأمّي بما في الكتب السالفة فحسب بل هم معرضون عن آيات كثيرة في السماوات والأرض . و كَأَيِّنْ اسم يدل على كثرة العدد المبهم يبينه تمييز مجرور ب مِنْ . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نبيء قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ في سورة آل عمران [ 146 ] . والآية : العلامة ، والمراد هنا الدالة على وحدانية اللّه تعالى بقرينة ذكر الإشراك بعدها . ومعنى يَمُرُّونَ عَلَيْها يرونها ، والمرور مجاز مكنّى به عن التحقق والمشاهدة إذ لا يصح حمل المرور على المعنى الحقيقي بالنسبة لآيات السماوات ، فالمرور هنا كالذي في قوله تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] . وضمير يَمُرُّونَ عائد إلى الناس من قوله تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . وجملة وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ في موضع الحال من ضمير يَمُرُّونَ أي وما يؤمن أكثر الناس إلا وهم مشركون ، والمراد ب أَكْثَرُ النَّاسِ أهل الشرك من العرب . وهذا إبطال لما يزعمونه من الاعتراف بأن اللّه خالقهم كما في قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * ، وبأن إيمانهم باللّه كالعدم لأنهم لا يؤمنون بوجود اللّه إلا في تشريكهم معه غيره في الإلهية . والاستثناء من عموم الأحوال ، فجملة وَهُمْ مُشْرِكُونَ حال من أَكْثَرُهُمْ . والمقصود من هذا تشنيع حالهم . والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده على وجه التهكم . وإسناد هذا الحكم إلى أَكْثَرُهُمْ باعتبار أكثر أحوالهم وأقوالهم لأنهم قد تصدر عنهم أقوال خلية عن ذكر الشريك . وليس المراد أن بعضا منهم يؤمن باللّه غير مشرك معه إلها آخر . [ 107 ]