الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
120
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأشار إلى مصائبه السابقة من الإبقاء في الجبّ ، ومشاهدة مكر إخوته به بقوله : مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ، فكلمة بَعْدِ اقتضت أن ذلك شيء انقضى أثره . وقد ألم به إجمالا اقتصارا على شكر النعمة وإعراضا عن التذكير بتلك الحوادث المكدرة للصلة بينه وبين إخوته فمرّ بها مرّ الكرام وباعدها عنهم بقدر الإمكان إذ ناطها بنزغ الشيطان . والمجيء في قوله : وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ نعمة ، فأسنده إلى اللّه تعالى وهو مجيئهم بقصد الاستيطان حيث هو . والبدو : ضد الحضر ، سمي بدوا لأن سكانه بأدون ، أي ظاهرون لكل وارد ، إذ لا تحجبهم جدران ولا تغلق عليهم أبواب . وذكر مِنَ الْبَدْوِ إظهار لتمام النعمة ، لأن انتقال أهل البادية إلى المدينة ارتقاء في الحضارة . والنزغ : مجاز في إدخال الفساد في النفس . شبه بنزغ الراكب الدابّة وهو نخسها . وتقدم عند قوله تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ في سورة الأعراف [ 200 ] . وجملة إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ مستأنفة استئنافا ابتدائيا لقصد الاهتمام بها وتعليم مضمونها . واللطف : تدبير الملائم . وهو يتعدّى باللام على تقدير لطيف لأجل ما يشاء اللطف به ، ويتعدى بالباء قال تعالى : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [ الشورى : 19 ] . وقد تقدم تحقيق معنى اللطف عند قوله تعالى : وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ في سورة الأنعام [ 103 ] . وجملة إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ مستأنفة أيضا أو تعليل لجملة إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ . وحرف التوكيد للاهتمام ، وتوسيط ضمير الفصل للتقوية . وتفسير الْعَلِيمُ تقدم عند قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ في سورة البقرة [ 32 ] . و الْحَكِيمُ تقدم عند قوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أواسط سورة البقرة [ 209 ] . [ 101 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 101 ] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) أعقب ذكر نعمة اللّه عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة