الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
116
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأكد هذا الخبر بأن واللام لأنه مظنة الإنكار ولذلك أعقبه ب لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ . وجواب لَوْ لا محذوف دلّ عليه التأكيد ، أي لولا أن تفندوني لتحققتم ذلك . والتفنيد : النسبة للفند بفتحتين ، وهو اختلال العقل من الخرف . وحذفت ياء المتكلم تخفيفا بعد نون الوقاية وبقيت الكسرة . والذين قالوا : تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ هم الحاضرون من أهله ولم يسبق ذكرهم لظهور المراد منهم وليسوا أبناءه لأنهم كانوا سائرين في طريقهم إليه . والضلال : البعد عن الطريق الموصّلة . والظرفية مجاز في قوة الاتّصاف والتلبّس وأنه كتلبس المظروف بالظرف . والمعنى : أنك مستمر على التلبس بتطلب شيء من غير طريقه . أرادوا طمعه في لقاء يوسف - عليه السّلام - . ووصفوا ذلك بالقديم لطول مدّته ، وكانت مدة غيبة يوسف عن أبيه - عليهما السّلام - اثنتين وعشرين سنة . وكان خطابهم إياه بهذا مشتملا على شيء من الخشونة إذ لم يكن أدب عشيرته منافيا لذلك في عرفهم . و أَنْ في قوله : فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ مزيدة للتأكيد . ووقوع أَنْ بعد فَلَمَّا التوقيتية كثير في الكلام كما في « مغني اللّبيب » . وفائدة التأكيد في هذه الآية تحقيق هذه الكرامة الحاصلة ليعقوب عليه السّلام لأنها خارق عادة ، ولذلك لم يؤت ب أَنْ في نظائر هذه الآية مما لم يكن فيه داع للتأكيد . والبشير : فعيل بمعنى مفعل ، أي المبشر ، مثل السميع في قول عمرو بن معديكرب : أمن ريحانة الداعي السميع والتبشير : المبادرة بإبلاغ الخبر المسرّ بقصد إدخال السرور . وتقدم عند قوله تعالى : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ في سورة براءة [ 21 ] . وهذا البشير هو يهوذا بن يعقوب عليه السّلام تقدم بين يدي العير ليكون أول من يخبر أباه بخبر يوسف عليه السّلام . وارتد : رجع ، وهو افتعال مطاوع ردّه ، أي رد اللّه إليه قوة بصره كرامة له وليوسف عليهما السّلام وخارق للعادة . وقد أشرت إلى ذلك عند قوله تعالى : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ [ سورة يوسف : 84 ] .