الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

112

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستفهام مستعمل في التوبيخ . و هَلْ مفيدة للتحقيق لأنها بمعنى قَدْ في الاستفهام . فهو توبيخ على ما يعلمونه محققا من أفعالهم مع يوسف عليه السّلام وأخيه ، أي أفعالهم الذميمة بقرينة التوبيخ ، وهي بالنسبة ليوسف عليه السّلام واضحة ، وأما بالنسبة إلى بنيامين فهي ما كانوا يعاملونه به مع أخيه يوسف عليه السّلام من الإهانة التي تنافيها الأخوة ، ولذلك جعل ذلك الزمن زمن جهالتهم بقوله : إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ . وفيه تعريض بأنهم قد صلح حالهم من بعد . وذلك إما بوحي من اللّه إن كان صار نبيئا أو بالفراسة لأنه لما رآهم حريصين على رغبات أبيهم في طلب فداء ( بنيامين ) حين أخذ في حكم تهمة السرقة وفي طلب سراحه في هذا الموقف مع الإلحاح في ذلك وكان يعرف منهم معاكسة أبيهم في شأن بنيامين علم أنهم ثابوا إلى صلاح . وإنما كاشفهم بحاله الآن لأن الاطلاع على حاله يقتضي استجلاب أبيه وأهله إلى السكنى بأرض ولايته ، وذلك كان متوقفا على أشياء لعلها لم تتهيأ إلا حينئذ . وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى : قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ [ يوسف : 79 ] فقد صار يوسف عليه السّلام جدّ مكين عند فرعون . وفي الإصحاح ( 45 ) من سفر التكوين أن يوسف - عليه السّلام - قال لإخوته حينئذ « وهو - أي اللّه - قد جعلني أبا لفرعون وسيدا لكل بيته ومتسلطا على كل أرض مصر » . فالظاهر أن الملك الذي أطلق يوسف - عليه السّلام - من السجن وجعله عزيز مصر قد توفّي وخلفه ابن له فجبه يوسف - عليه السّلام - وصار للملك الشاب بمنزلة الأب ، وصار متصرّفا بما يريد ، فرأى الحال مساعدا لجلب عشيرته إلى أرض مصر . ولا تعرف أسماء ملوك مصر في هذا الزمن الذي كان فيه يوسف عليه السّلام لأن المملكة أيامئذ كانت منقسمة إلى مملكتين : إحداهما ملوكها من القبط وهم الملوك الذين يقسمهم المؤرخون الإفرنج إلى العائلات الخامسة عشرة ، والسادسة عشرة ، والسابعة عشرة ، وبعض الثامنة عشرة . والمملكة الثانية ملوكها من الهكسوس ، ويقال لهم : العمالقة أو الرعاة وهم عرب . ودام هذا الانقسام خمسمائة سنة وإحدى عشرة سنة من سنة ( 2214 ) قبل المسيح إلى سنة ( 1703 ) قبل المسيح .